*أمريكا وفنزويلا.. منطق الثروة والنفوذ*
‼️وماذا بعد ‼️
*بقلم: أشرف بن ماضي الشعراني*
*كاتب صحفي وباحث في الحضارة المصرية*
*الهرم – الجيزة*
*أولاً: ماذا تريد الولايات المتحدة من فنزويلا؟*
تُعد فنزويلا دولة ذات ثقل موارد وموقع جيوسياسي حساس. وتتمثل الملفات التي تحرك اهتمام واشنطن في الآتي:
1. *النفط*: تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفط مؤكد في العالم وفق بيانات منظمة “أوبك”، ويزيد على 300 مليار برميل. ومعظم هذا النفط من النوع الثقيل الذي يحتاج إلى مصافٍ خاصة. وكانت الولايات المتحدة أكبر مستورد للنفط الفنزويلي قبل عام 2019. والسيطرة على إمدادات النفط تُعد ورقة ضغط جيوسياسي واقتصادي.
2. *المعادن الاستراتيجية*: تزخر فنزويلا بمعادن الذهب، والكولتان، والبوكسيت، والماس. وتُعرف منطقة “قوس أورينوكو للتعدين” بكونها منطقة غنية بالموارد الداخلة في الصناعات التكنولوجية والعسكرية.
3. *الموقع الجيوسياسي*: تقع فنزويلا على البحر الكاريبي، بالقرب من قناة بنما، ولها حدود مع كولومبيا والبرازيل. ويُنظر في واشنطن إلى وجود حكومة في كاراكاس على خلاف معها، وذات علاقات مع روسيا والصين وإيران، بوصفه “تمدداً لنفوذ الخصوم في فنائها الخلفي” حسب التعبير الأمريكي.
4. *الملف السياسي*: منذ عام 2019 فرضت الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية ومالية على الحكومة الفنزويلية، واعترفت بحكومة موازية. والهدف المعلن أمريكياً هو “العودة إلى الديمقراطية وإجراء انتخابات حرة”. في المقابل، تصف حكومة كاراكاس ذلك بأنه “حرب اقتصادية لتركيع الدولة والاستيلاء على النفط”.
*ثانياً: لماذا تسعى الولايات المتحدة إلى ثروات الدول؟ السياق التاريخي والاقتصادي*
هنا نتحدث عن نمط في سلوك القوى الكبرى عموماً، لا الولايات المتحدة وحدها:
1. *أمن الطاقة والصناعة*: تحتاج أي دولة كبرى إلى النفط والغاز والمعادن النادرة لتشغيل مصانعها وجيشها وتقنياتها. ومنذ الحرب العالمية الثانية، أقامت الولايات المتحدة تحالفات واتفاقيات لضمان تدفق النفط، مثل اتفاقية “البترودولار” مع المملكة العربية السعودية عام 1974.
2. *التنافس الجيوسياسي*: تُعد الثروات مصدر نفوذ. وعندما دخلت الصين وروسيا بقوة إلى أمريكا اللاتينية وأفريقيا عبر عقود النفط والتعدين، تحركت واشنطن للحفاظ على حصتها ومنع تمدد خصومها. وفنزويلا نموذج لذلك: لديها عقود نفط مع الصين، واستثمارات روسية في قطاعي النفط والذهب.
3. *الشركات متعددة الجنسيات*: تمتلك شركات النفط والتعدين الأمريكية، مثل “إكسون موبيل” و”شيفرون”، مصالح واستثمارات ضخمة. وغالباً ما تدعم الدولة الأمريكية مصالح هذه الشركات عبر العقوبات، والدبلوماسية، وأحياناً التدخل العسكري.
4. *الدولار أداة ضغط*: تعمل العقوبات المالية الأمريكية على فصل أي دولة عن النظام المصرفي العالمي “سويفت”. ويؤدي ذلك إلى خنق اقتصاد الدول المعتمدة على تصدير المواد الخام، ودفعها إلى التفاوض بشروط واشنطن.
*ثالثاً: مقارنة “النفط والعقوبات” فنزويلا والعراق وليبيا وإيران*
**الدولة** **الثروة الأساسية** **أداة الضغط الأمريكية** **الرواية الأمريكية** **الرواية الرسمية للدولة**
**فنزويلا** نفط ثقيل، ذهب، كولتان عقوبات مالية ونفطية، تجميد أصول PDVSA دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان حرب اقتصادية لسرقة النفط وإسقاط النظام
**العراق 1990-2003** نفط ضخم، احتياطي سهل الاستخراج حصار شامل، ثم غزو عسكري 2003 نزع أسلحة الدمار الشامل وإسقاط الديكتاتورية احتلال للسيطرة على النفط وتغيير خريطة المنطقة
**ليبيا 2011** نفط خفيف عالي الجودة، غاز عقوبات، تجميد أموال، دعم عسكري للناتو حماية المدنيين من القمع مؤامرة للسيطرة على النفط وإفشال الدولة الوطنية
**إيران منذ 1979** نفط وغاز، موقع مضيق هرمز عقوبات متتالية، منع تصدير النفط منع البرنامج النووي ودعم الإرهاب حرب اقتصادية لتركيع الشعب ونهب الثروات
*ماذا نستخلص من المقارنة؟*
1. *القاسم المشترك*: كل الدول الأربع تملك احتياطيات طاقة كبرى، ودخلت في مواجهة سياسية مع واشنطن.
2. *الأداة واحدة*: الانتقال من العقوبات الاقتصادية إلى العزل المالي، وأحياناً إلى التدخل العسكري.
3. *النتيجة واحدة*: تراجع الإنتاج النفطي، وانهيار العملة، وتدهور معيشة المواطن، بينما تبقى الثروة تحت الحصار أو في يد شركات أجنبية.
*ملاحظة تاريخية*
الإشارة إلى “السكان الأصليين” تتعلق بمرحلة التوسع الأمريكي في القرن التاسع عشر، التي تُدرس في الأدبيات الأمريكية تحت عنوان “القدر المتجلي Manifest Destiny”. والعلاقة بين ذلك التاريخ والسياسة الخارجية الراهنة محل نقاش أكاديمي. وتستخدم الدول جميعاً التاريخ لتفسير مواقفها.
*الخلاصة*
ترى واشنطن في فنزويلا ملفاً مركباً من: نفط، ومعادن، ومنع خصومها من التمدد. وترى كاراكاس في واشنطن محاولة لفرض عقوبات من أجل الاستيلاء على الثروة وتغيير النظام.
وفي العلاقات الدولية، تسعى الدول الكبرى دائماً إلى تأمين مواردها، ومنع خصومها من السيطرة على موارد تؤثر في ميزان القوة. وهذا هو منطق “الواقعية السياسية Realpolitik” الذي حكم الدول عبر التاريخ.

