من رحم الألم تولد الأمم: تحالف الساحل الإفريقي ومحور المقاومة في ملحمة التحرر الكبرى
نوال عباسي _تونس
منتدى سيف القدس
في الخامسة والعشرين من أفريل 2026، اهتزت مالي على وقع هزة عنيفة لم تكن مجرد زلزال أمني عابر، بل كانت حلقة جديدة في مسلسل طويل من المؤامرات التي تحاك ضد إرادة الشعوب الأفريقية المستقلة. ففي فجر ذلك اليوم، وتحت غطاء من الظلام لم يخف هوية من يقف خلفه، انطلقت هجمات متزامنة ومعقدة استهدفت قلب الدولة المالية في أضعف نقاطها: العاصمة باماكو، وقاعدة كاتي العسكرية التي تضم مقر إقامة الرئيس أسيمي غويتا نفسه، ومطار باماكو الدولي. الأجهزة الاستخباراتية المالية والروسية لم تتردد لحظة في توجيه أصابع الاتهام نحو جهاز الاستخبارات الخارجية الفرنسية (DGSE)، الذي لم يخفِ أبدًا عداءه المعلن للنظام الحالي في باماكو. إنها لعبة قديمة بأدوات جديدة: حين فشلت فرنسا في السيطرة على مالي عبر قواعدها العسكرية ونفوذها السياسي، انتقلت إلى خيارات أكثر قذارة، تغذية الإرهاب وتدريب الجماعات المسلحة وتمويل الانقلابات المضادة. هذا ليس اتهامًا عاطفيًا، بل قراءة واقعية لسلوك قوة استعمارية لم تتعلم من التاريخ شيئًا، ولا تزال تعتبر أفريقيا حديقتها الخلفية التي يحق لها أن تشعل فيها الحرائق متى شاءت.
في لحظة فارقة من تاريخ غرب أفريقيا، وقف الجنرال أسيمي غويتا ليعلن للعالم أن مالي لم تعد ذلك التابع الهادئ الذي ينتظر تعليمات من باريس أو واشنطن. لم تكن كلماته مجرد خطاب سياسي عابر، بل كانت إعلان ولادة لنموذج جديد في العلاقات الدولية، حيث تسعى دول كانت تعتبر نفسها مجرد ساحات خلفية للقوى العظمى إلى كتابة سيناريو مختلف تمامًا. هذا التحالف الذي ضم مالي وبوركينا فاسو والنيجر، تحت قيادة عسكرية شابة تتبنى خطاب السيادة ومقاومة الإمبريالية، لم يقتصر على كسر القيود السياسية التي فرضتها فرنسا لعقود، بل ذهب إلى أبعد من ذلك. إن ما يسمى بـ “الإرهاب” في منطقة الساحل لم يكن أبدًا ظاهرة محلية عفوية، بل كان سلاحًا بيد القوى الغربية، وفرنسا على رأسها، لإخضاع الشعوب التي تمردت على وصايتها. من يدعم الجماعات الجهادية بالمال والسلاح والتدريب؟ من يغطي تحركاتها في المنطقة عبر قواعد استخباراتية لا تزال تعمل تحت غطاء “مكافحة الإرهاب”؟ التاريخ يسأل، والإجابات أصبحت أوضح من أن تخفى.
ما يجعل التجربة المالية مثيرة للاهتمام بشكل خاص هو قدرتها على كشف الوجه القبيح للهيمنة الغربية. ففي الوقت الذي كانت فيه فرنسا تنسحب مذلولة من مالي والنيجر وبوركينا فاسو، تاركة وراءها إرثًا من الدماء والدمار واتهامات بالتورط المباشر في تمويل الجماعات الإرهابية، كانت طائرات الاستطلاع الفرنسية لا تزال تحلق فوق أراضي الساحل، وكانت الأموال تتدفق من باريس إلى جيوب قادة الميليشيات. إن ما يحدث ليس حربًا بين دول، بل هو صراع وجودي بين رؤيتين للعالم: رؤية تريد لأفريقيا أن تبقى راكعة، ورؤية أخرى تصر على أن تخرج كالعنقاء من تحت الرماد. حين أعلن تحالف الساحل طرد القوات الفرنسية، اختارت باريس خيار التدمير بديلاً عن الاعتراف بالهزيمة. والإرهاب الذي نراه اليوم ليس إلا ذلك الخيار بعينه، يضرب حيث يستطيع أن يضرب.
غير أن نقاط القوة في هذا التحالف السيادي الجديد تتجاوز بكثير محاولات التخريب الغربية. أولاً، نجح التحالف في تحقيق إنجاز استراتيجي غير مسبوق: كسر الاحتكار الفرنسي للأمن في المنطقة. لأول مرة منذ عقود، تتحكم دول الساحل بقراراتها العسكرية دون إذن من باريس، وهذا إنجاز لا يُقدّر بثمن. ثانيًا، أعاد التحالف تعريف مفهوم الشرعية السياسية، فلم تعد الشرعية تأتي من بروكسل أو واشنطن، بل من الإرادة الشعبية التي خرجت بالملايين لتؤيد طرد القوات الفرنسية والدعوات إلى سيادة حقيقية. ثالثًا، أسس التحالف بنية موازية للتكتلات الغربية: عملة جديدة، وقوة عسكرية مشتركة تمكنت بالفعل من استعادة مناطق كانت تحت سيطرة الجماعات المسلحة لسنوات، وبنك استثماري يمول المشاريع التنموية دون شروط صندوق النقد الدولي. رابعًا، نجحت دول التحالف في تنويع شراكاتها الدولية، فلم تعد رهينة لإرادة قطب واحد، بل أصبحت تتعامل مع روسيا والصين وإيران وتركيا من موقع الند للند، وليس من موقع التابع المستجدي.
هنا يبرز الفرق الجوهري بين نموذج الهيمنة الغربية ونموذج السيادة الذي يقوده تحالف الساحل. فبينما كان الغرب يمارس سياسة “فرق تسد” ويدعم الجماعات المتطرفة كذريعة للتواجد العسكري، يعمل التحالف الجديد على توحيد الصفوف وتعزيز التعاون الإقليمي. بينما كان الغرب ينهب الثروات الطبيعية عبر شركاته متعددة الجنسيات، يضع التحالف قوانين تحمي الموارد المحلية وتضمن توزيعًا عادلاً للعائدات. بينما كان الغرب يفرض النموذج الغربي الهجين لديمقراطية الصناديق بالقوة، يبني التحالف نموذجًا سياسيًا ينبع من الخصوصيات المحلية ويعطي الأولوية للأمن والتنمية كأساس لأي نهضىة حقيقية. هذه ليست مجرد شعارات، بل هي إنجازات بدأت تظهر على الأرض، وتخيف أولئك الذين اعتادوا على نهب أفريقيا في صمت.
على الجانب الآخر، تبرز حقيقة لا يمكن إنكارها: أن الغرب، وفرنسا تحديدًا، لم يتوقف يومًا عن تغذية الإرهاب في الساحل. الوثائق المسربة، وشهادات المنشقين عن الأجهزة الاستخباراتية الفرنسية، والتحليلات المستقلة، كلها تشير إلى نمط ثابت: كلما اقتربت دول الساحل من تحقيق الاستقرار، تصاعدت الهجمات الإرهابية بشكل مريب. كلما أعلنت مالي أو النيجر أو بوركينا فاسو عن صفقة نفطية أو تعدينية لا تمر عبر الشركات الفرنسية، هاجم “الإرهابيون” المنشآت الحيوية. هذه ليست مصادفات، بل هي استراتيجية ممنهجة تهدف إلى إبقاء المنطقة في حالة فوضى دائمة تجعل التدخل الغربي “ضرورة إنسانية”. إن الإرهاب في الساحل ليس مشكلة محلية، بل هو سلاح استعماري بغطاء جهادي، ونحن الذين ندفع الثمن.
وما حدث في صباح 25 أفريل لم يكن إلا أحد فصول هذه المسرحية المكشوفة. استهداف قاعدة كاتي حيث يقيم الرئيس، ومحاولة ضرب الرمز الأبرز للسيادة المالية، لم يكن مجرد عملية عسكرية عادية، بل كان رسالة واضحة: من لا يخضع للوصاية الغربية، سيُضرب في بيته وفي عقر داره. لكن هذه الرسالة، بدلاً من أن ترهب الماليين، زادتهم إصرارًا على موقفهم. لأنهم يعرفون الآن، أكثر من أي وقت مضى، أن خلف كل رصاصة تجد طريقها إلى صدر جندي مالي، هناك قلم يوقع شيكًا في قصر الإليزيه. وخلف كل انفجار يهز عاصمتهم، هناك خريطة استراتيجية ترسمها الاستخبارات الفرنسية لتقسيم المنطقة وإضعافها.
في العمق، يكمن السؤال الأهم: لماذا كل هذا العداء الغربي لتحالف الساحل؟ الإجابة بسيطة ومرعبة في آن: لأن نموذج السيادة الذي يبنيه هذا التحالف يهدد وجود النموذج الاستعماري برمته. إذا نجحت مالي وبوركينا فاسو والنيجر في إثبات أن دولة أفريقية يمكنها أن تحكم نفسها بنفسها، وتؤمن حدودها بجهودها الذاتية، وتستثمر ثرواتها لصالح شعبها، فسوف تنهار كل الذرائع التي بنى عليها الغرب هيمنته في أفريقيا. لن يكون هناك مبرر للقواعد العسكرية، ولا للشركات التي تنهب الثروات، ولا للمساعدات المشروطة التي تهدف إلى إبقاء الشعوب في حالة تبعية دائمة. هذا هو السبب الحقيقي وراء كل هذه المحاولات اليائسة لتدمير التحالف: إنه يشكل نموذجًا بديلاً يجب قتله قبل أن ينتشر.
لكل ما سبق، يظل تحالف الساحل صامدًا رغم كل المؤامرات. لأن قوته لا تأتي من الدعم الخارجي بقدر ما تأتي من اليقين الداخلي بأن لا طريق إلى الكرامة إلا عبر السيادة الكاملة. لقد أثبت التحالف بالفعل قدرته على تحمل أقسى العقوبات الاقتصادية الغربية، وأظهر مرونة في إعادة توجيه شراكاته نحو المحور الصيني الروسي دون التضحية بقراره الوطني، وأثبت للعالم أن أفريقيا تستطيع أن تقول “لا” عندما تريد. وما حدث من خروق أمنية هو بالتأكيد إخفاقات، لكنها إخفاقات في معركة ضمن حرب طويلة، والحروب لا تُربح في يوم ولا تُخسر في ليلة.
وحيث نرتقي، تصبح السماء أكثر اتساعاً للكرامة، وتتحرر الحياة من وصاية القوة لتخضع لسلطان العدل، ليس لأن العدل هدية تمنحها الأمم القوية، بل لأنه أرض لا تنبت إلا بالتضحيات العظيمة. وحيث نخسر، للأسف، لا يصطدم بنا خصوم يختلفون معنا في الرؤى، بل متطرفون أخلاقياً، أفرزتهم حضارة قامت على منطق الاغتنام لا المشاركة، ارتوت من بئر الاستغلال ذاتها التي تخرج منها تلامذة إبستين، حيث يتحول الجسد الإنساني إلى وقود للشهوة والنفوذ، ويصبح الموت صنعة يومية.
أولئك الذين يتحدثون اليوم بلغة حقوق الإنسان والمساعدات الإنسانية، هم ذاتهم من أسسوا نموذجاً للهيمنة لا يعترف إلا بعالمين: سادة يُشرّعون الانتهاك، وشعوب تدفع ثمن خضوعها من دمها ولحمها. هم الذين، حين فشلت قواعدهم العسكرية في إخضاع الساحل، انتقلوا إلى خيار أكثر قذارة: تغذية الإرهاب بأموال الضرائب الفرنسية، وتدريب الجماعات المسلحة في معسكرات سرية بصحراء النيجر، وضخ السلاح إلى أيادي تغتال وتقطع الرؤوس، فقط لتبقى الذريعة حية والتدخل مشروعاً. ثم يقفون أمام الكاميرات يندبون حظ أفريقيا ويلطمون وجوههم حزناً على “التطرف” الذي هم من زرعوه وسقوه بدماء الأبرياء. لكن أفريقيا التي نصنعها اليوم لا تنخدع.
تحالف الساحل نجح لأنه أدرك أن معركة التحرر الحقيقية تخاض على جبهتين: جبهة السلاح ضد الإرهاب المولود من رحم الاستعمار، وجبهة الوعي ضد الأكاذيب التي تغلف النهب باسم “المساعدة”. لهذا صمد التحالف عندما انهارت دول باسم “الديمقراطية” تحت وطأة الضغوط نفسها، واستطاع أن يبني من رحم الفقر والعزلة نموذجاً للسيادة لا يبيع قراره الوطني بمقابل، ولا يرهن ثرواته لابتسامة سفير أو قرض صندوق نقد.
وهنا لا يمكننا إلا أن نلاحظ التشابه العميق، بل التطابق في الروح، بين ما يحدث في قلب أفريقيا وما يجري على أطراف آسيا. فكما يصمد تحالف الساحل في مواجهة آلة الإرهاب الغربية، يصمد محور المقاومة في غزة ولبنان واليمن وإيران في مواجهة نفس العدو، بنفس الأدوات، وتحت نفس الذرائع. إنها معركة واحدة، وإن تباعدت الجغرافيا، لأن العدو واحد: إمبريالية لا تفرق بين ضحية وأخرى، ولا تميز بين دم فلسطيني ودم مالي. قنابل غزة ليست مختلفة عن صواريخ الساحل، والطائرات بدون طيار التي تحلق فوق باماكو هي ذاتها التي تحلق فوق بيروت، والخلايا النائمة التي توقظها الاستخبارات الفرنسية في الصحراء الكبرى هي ذاتها التي توقظها الاستخبارات الأمريكية في إيران.
إنه نفس البوليس العالمي الذي يحكم بالوكالة، ويسرق الخيرات، ويحمي المصالح، ويغطي جرائمه بغطاء “محاربة الإرهاب” و”نشر الديمقراطية”. لكن ما لا تدركه هذه القوى، وما سيثبت أمام التاريخ، أن كسر إرادة الشعوب الحرة مستحيل. فكما أن صمود غزة أمام آلة الإبادة الصهيوأمريكية أحرق كل أوراق الرهان الغربية، فإن صمود تحالف الساحل أمام مكائد باريس سيكتب فصلاً جديداً في تاريخ التحرر الأفريقي. غزة تعلّم باماكو أن الجدار لا يحمي المحتل، وأن الدم الذي يسيل على طريق الحرية ليس هدراً، بل هو البذرة التي منها تنبت السيادة. وتحالف الساحل يعلّم غزة أن المعركة ليست فلسطينية أو مالية فقط، بل هي معركة كل من يرفض الركوع، وأن النصر ليس مستحيلاً عندما تتحد الإرادات وتتشابه الأوجاع.
لقد أثبت تحالف الساحل للعالم أن هناك بديلاً حقيقياً للنموذج الغربي، وأن السيادة ليست شعاراً يرفع في المؤتمرات، بل ممارسة يومية تبدأ بطرد القواعد العسكرية الأجنبية، وتستمر ببناء جيش وطني قادر، وتكتمل بتطوير اقتصاد لا يعتمد على الصدقات. صحيح أن الطريق لا يزال وعِراً، صحيح أن العاصمة اهتزت والرموز سقطت، لكن من يبني بيته فوق جماجم المستعمرين لا يخاف من عاصفة. لأنهم عرفوا أخيراً أن الحرية ليست انتظاراً، وأن الكرامة لا تستجدي، وأن هذه المرة مختلفة: هذه المرة، أفريقيا تملك خريطتها، وقنبلتها، وإرادتها. وغزة تملك صمودها، ومقاومتها، وإيمانها. وفي النهاية، حين يسقط جدار الهيمنة الغربية من غرب آسيا إلى غرب الساحل، سيدرك الجميع أن الحرية كانت مشروعاً واحداً، وأن الدم الزاكي لا يفرقه بحر ولا صحراء، وأن الذين آمنوا بأن النصر ممكن، هم وحدهم الذين يستحقونه.

