حين كان إناؤنا من تراب.. ماذا خسرنا مع البلاستيك؟
✍️ بقلم/.محمد صالح حاتم
قبل أن يدخل البلاستيك إلى تفاصيل حياتنا، كانت موائد آبائنا وأجدادنا أبسط، وربما أكثر قربًا من الطبيعة.
كان الطعام يقدم في أواني الفخار والخزف، والماء يحفظ في الجرار، وتستخدم الأوعية المعدنية والخشبية في البيت والمطبخ.
لم تكن هناك أكياس بلاستيكية تنتظر كل وجبة ساخنة، ولا أكواب تستخدم لدقائق ثم تلقى في القمامة.
كانت الجرّة جزءًا من البيت، وإناء الفخار أو الخزف جزءًا من المائدة، والأهم أنها أوانٍ تستخدم مرة بعد أخرى، ولا تتحول سريعًا إلى نفايات.
اليوم تغيرت الصورة. أصبح من السهل أن نشتري وجبة ساخنة، ثم نطلب وضعها في كيس بلاستيكي، أو نأخذ الشاي والقهوة في كوب بلاستيكي، وربما نضع المرق أو الطعام الساخن في عبوة بلاستيكية لمجرد أنها متوفرة ورخيصة.
المشكلة هنا ليست في استخدام البلاستيك بشكل عام، وإنما في طريقة استخدامه، خصوصًا عندما يلامس الطعام أو الشراب وهو ساخن.
فالحرارة قد تزيد من انتقال بعض مكونات البلاستيك أو المواد المضافة إليه إلى الغذاء، وتصبح المسألة أكثر حساسية عندما يكون الطعام ساخنًا أو يحتوي على الزيوت والدهون.
وما يزيد القلق أن هذه العملية لا يمكن للمستهلك رؤيتها بالعين؛ فالطعام لا يتغير بالضرورة في لونه أو شكله، وقد نتناوله دون أن نفكر في الوعاء الذي كان ملاصقًا له.
وهنا ربما يجدر بنا أن نتوقف قليلًا عند بعض عادات آبائنا وأجدادنا.
لم يكونوا يعرفون كل ما نعرفه اليوم عن المواد والتفاعلات، لكنهم كانوا يعتمدون في كثير من احتياجاتهم على الفخار والخزف والزجاج والمعدن والخشب.
كانت الأوعية تعيش سنوات، ويعاد استخدامها، ولا يكون مصيرها بعد وجبة واحدة هو الرمي.
أما نحن، فقد جعلتنا سهولة البلاستيك نتعامل معه وكأنه يصلح لكل شيء: نحمل به الخبز، ونضع فيه الخضروات، ونحفظ فيه الطعام، ونضع فيه الوجبات الساخنة، ونصب فيه المشروبات، ثم نتخلص منه بعد دقائق.
وبين لحظة الاستخدام ولحظة الرمي، لا نفكر كثيرًا فيما تركناه خلفنا.
فالكيس الذي استخدمناه دقائق قد يبقى في البيئة سنوات طويلة، وتتراكم المخلفات البلاستيكية في الشوارع والتربة والمياه والمناطق الزراعية، وقد تصل إلى الحيوانات والأسماك ومصادر الغذاء.
وهكذا لا تنتهي قصة الكيس عندما نرميه؛ بل تبدأ مرحلة أخرى من المشكلة.
والأمر لا يتوقف عند التخلص من المخلفات. فحرق البلاستيك عشوائيًا ليس حلًا آمنًا، لأن التخلص منه بهذه الطريقة قد يطلق أبخرة ومواد ضارة، فنحن لا نزيل المشكلة بقدر ما ننقلها من مكان إلى آخر.
لهذا، ربما لا نحتاج إلى إعلان حرب على البلاستيك، بقدر ما نحتاج إلى عقلنة استخدامه.
عندما يتعلق الأمر بالطعام الساخن، فلنبحث عن الوعاء المناسب. الزجاج، والخزف، والفخار، والمعدن المناسب، والعبوات المصممة أصلًا لحفظ الأغذية الساخنة، كلها خيارات يمكن اللجوء إليها بدل وضع الطعام مباشرة في كيس بلاستيكي مجهول المصدر أو غير مخصص لهذا الاستخدام.
كما أن تقليل الأكياس والأكواب ذات الاستخدام الواحد لا يحمي غذاءنا فقط، بل يخفف أيضًا من كمية المخلفات التي تظل معنا بعد انتهاء الوجبة.
لقد عاش آباؤنا وأجدادنا زمنًا كانت فيه المائدة أقل ازدحامًا بالبلاستيك، وكانت الأوعية جزءًا من البيت لا جزءًا من سلة النفايات.
وربما لا نحتاج إلى العودة إلى كل تفاصيل ذلك الزمن، لكننا بحاجة إلى استعادة شيء من حكمته: أن ما يلامس طعامنا يستحق أن نختاره بعناية، وأن ما نستخدمه لدقائق لا ينبغي أن يترك أثرًا طويلًا في حياتنا وبيئتنا.
فليس كل ما هو رخيص ومتوفر هو الخيار الأفضل، وليس كل ما اعتدنا عليه يجب أن يستمر كما هو.
وقد تكون البداية بسيطة جدًا: عندما تكون الوجبة ساخنة، فكر أولًا في الوعاء الذي ستضعها فيه.
فالمائدة الآمنة تبدأ أحيانًا من إناء صغير.
#الحملة_الوطنية_الحادية_عشرة_للتوعية_بمخاطر_الأكياس_والمنتجات_البلاستيكية
#صندوق_مكافحة_السرطان
#الوقاية_تبدأ_باختيارك


