إيران ترسم الخارطة الجيوسياسية للمنطقة وتفرض النظرية الحديثة للملاحة البحرية
بقلم: طوفان الجنيد
الأهلية الإيرانية في إحكام قبضتها على هرمز
لقد أثبتت الأحداث الجارية في منطقة الشرق الأوسط، والصراع القائم بين قوى الاستكبار والهيمنة الأمريكية وبين الجمهورية الإسلامية الإيرانية، أن المنطقة والعالم يعيشان في عصر مختلف تماماً؛ عصر تغير موازين القوى الذي يفرضه محور المقاومة بقيادة إيران الإسلامية. ولو نظرنا لما يجري اليوم في مضيق هرمز، نجد أن المضيق لم يعد مجرد ممر مائي لنقل الطاقة، بل تحول في العقد الأخير إلى “غرفة عمليات” جيوسياسية، تدير وتبرهن من خلالها طهران موازين القوة مع رأس الشر والاستكبار العالمي (الأمريكي-الصهيوني)، وتواجه مساعيه لفرض السيطرة على المنطقة ونهب الثروات والتلاعب بالاقتصادات العالمية وتطويعها لأجنداته الإجرامية وأطماعه الاقتصادية. ومع التصاعد العسكري والتوترات الدولية، بدأت تتبلور ملامح نظرية إيرانية حديثة للملاحة، تستند إلى القانون الدولي للملاحة البحرية مضافاً إليه “السيطرة العملياتية والميدانية الكاملة”، وذلك عن طريق:
أولاً: كسر الهيمنة التقليدية وتكريس الأمن الإقليمي
لسنوات طويلة، كانت النظرية السائدة للملاحة تعتمد على الوجود العسكري الأمريكي كضامن وحيد لحرية المرور. اليوم، تفرض إيران واقعاً جديداً مفاده أن “أمن الملاحة مسؤولية دول المنطقة”. وقد فرضت إيران ومعها محور المقاومة السيادة الميدانية من خلال تسيير الدوريات المستمرة واستخدام تكنولوجيا الرصد المتطورة، لينتقل المحور من دور “المراقب” إلى “المتحكم” في هوية ووجهة القطع البحرية العابرة.
كما تم تغيير قواعد الاشتباك؛ حيث أثبتت الأحداث الأخيرة أن أي اعتراض للسفن الإيرانية أو فرض عقوبات بحرية يقابله رد فعل مساوٍ في المضيق، مما خلق معادلة “الأمن للجميع أو لا أمن لأحد”.
ثانياً: النظرية الحديثة للملاحة (القوة الناعمة والصلبة)
تعتمد النظرية التي تفرضها إيران حالياً على مزيج استراتيجي يسمى “الردع العسكري البحري والتطور التكنولوجي المعلوماتي”. فقد تحولت الجزر الإيرانية (هرمز، قشم، وأبو موسى) إلى مراكز استشعار عملاقة، حيث لا تمر سفينة دون أن تخضع لبروتوكول التعريف الإيراني، مما يكرس “القبضة الحديدية”.
أما سلاح “اللا تماثل”، فقد فرضت إيران من خلاله واقعاً عسكرياً يجعل القوة التقليدية (كحاملات الطائرات) عبئاً على أصحابها في الممرات الضيقة، مقابل القوة البحرية المتضمنة للزوارق السريعة، والطائرات المسيرة الهجومية والاستطلاعية، والصواريخ البالستية الدقيقة والمتطورة؛ وهي الأدوات التي اعتمدت عليها “النظرية الحديثة” التي تدرسها الأكاديميات العسكرية اليوم.
ثالثاً: رسم الخارطة الجيوسياسية من مضيق إلى مضيق
إن إحكام القبضة على هرمز ليس هدفاً بحد ذاته، بل هو وسيلة لرسم خارطة جيوسياسية واستراتيجية أمنية صلبة وثابتة. فمن خلال السيطرة على هرمز والتنسيق العملياتي في باب المندب، أصبح المحور اليوم صاحب اليد الطولى والمؤثرة في حركة الملاحة من الخليج وصولاً إلى البحر الأحمر وحتى المحيط الهندي، وهذا ما يمنحه ورقة ضغط دولية لا تضاهى.
كذلك، ساهمت “وحدة الساحات” وبناء التحالفات الاستراتيجية مع قوى مثل الصين وروسيا في تعزيز المناورات المشتركة، مما يعني ولادة “محور بحري” جديد يكسر أحادية القطبية في المياه الدافئة.
ختاماً
لقد أثبت محور المقاومة أنه أهلٌ للانتقال من الدفاع إلى المبادرة. إن ما يشهده العالم اليوم ليس مجرد توتر عابر، بل هو إحلال لنظام ملاحة قديم بنظام جديد، بامتلاك الأهلية الجغرافية والعسكرية، وبالانتقال من مرحلة “الدفاع عن السواحل والجزر” إلى مرحلة “فرض القواعد الجيوسياسية” التي تجبر القوى الكبرى على إعادة حساباتها. وفي هذه الخارطة الجديدة، تبرز إيران كقوة فارضة للسيادة المطلقة والرؤية الصحيحة للأمن القومي الإقليمي، لإنهاء حقبة “البوليس البحري الواحد
إيران ترسم الخارطة الجيوسياسية للمنطقة وتفرض النظرية الحديثة للملاحة البحرية

