بقلم وسرد تاريخي: أشرف بن ماضي الشعراني – القاهرة
مع احتفال مصر السنوي بذكرى “عيد الجلاء” في 18 يونيو، ذلك اليوم الخالد الذي شهد خروج آخر جندي بريطاني عن الأراضي المصرية عام 1956، يرتد بصر التاريخ تلقائياً نحو ملفات جماعة الإخوان المسلمين؛ تلك الجماعة التي نبتت جذورها في ظلال عهد الاحتلال، وأثارت طوال مسيرتها جدلاً واسعاً حول علاقتها بالقوى الأجنبية ورهاناتها السياسية.
1. التأسيس والنشأة عام 1928: دلالات المكان والجدل التاريخي
تأسست جماعة الإخوان المسلمين على يد حسن البنا في عام 1928 بمدينة الإسماعيلية. اختيار المكان يحمل دلالة تاريخية كبرى، حيث كانت الإسماعيلية وقتها تمثل معقلاً رئيسياً للتواجد البريطاني وإدارة شركة قناة السويس العالمية.
وفيما يتعلق بنشأة الجماعة، تتداول أدبيات خصوم التنظيم روايتين أساسيتين:
الرواية الأولى (غير موثقة): تزعم أن النواة الأولى للفكرة تأسست في بريطانيا قبل انتقلها للإسماعيلية، وهي رواية تفتقر للوثائق الرسمية البريطانية أو المصرية المحكمة.
الرواية الثانية (الموثقة): تؤكد أن التأسيس الفعلي تم على أرض الإسماعيلية عام 1928 وسط واقع مصري معقد تحت وطأة الاحتلال.
📌 توضيح تاريخي: راجت عبر عقود مزاعم شعبية تنسب أصول البنا لعائلة مغربية، بل وذهب بعض الخصوم لوصفه بـ”الصهيوني المغربي”، غير أن هذه الروايات تظل مجرد سجالات سياسية في كتب الخصوم وليست مثبتة أو مدعومة بوثائق تاريخية أكاديمية محكمة.
2. علاقة الجماعة ببريطانيا في مرآة الوثائق الغربية
تكشف الدراسات الغربية كواليس مثيرة عن خيوط التواصل بين الجماعة ولندن؛ ففي كتاب “مخابرات الجماعة.. إخوان وجواسيس” للباحث حمادة الإمام، والمستند إلى المرجع الأكاديمي الشهير “الإخوان المسلمون” للمؤرخ الأمريكي ريتشارد ميتشل (الصادر عام 1969)، يظهر حجم التنسيق المتبادل.
وفقاً لـ”ميتشل”، شهدت أوائل عام 1953 لقاءات جمعت مسؤولين بريطانيين بالمرشد الثاني للجماعة حسن الهضيبي لاستطلاع الموقف من مفاوضات الجلاء. وتذكر الوثائق أن قيادات إخوانية عرضت دعماً سياسياً مقابل تطبيق الشريعة، وينقل ميتشل عن القيادي الإخواني صالح أبو رقيق قوله لمستشار السفارة البريطانية آنذاك: “إن الجماعة لن تجد صديقاً مثل بريطانيا العظمى”.
3. الصدام مع ثورة 23 يوليو وأزمة السويس 1956
لم يدم الوئام بين الجماعة وضباط ثورة يوليو 1952 طويلاً، حيث دخل التنظيم في صدام دموي ومباشر مع نظام الرئيس جمال عبد الناصر عقب عام 1954، وصدر قرار بحظر الجماعة رسمياً بعد حادثة المنشية الشهيرة (محاولة اغتيال عبد الناصر).
وخلال أزمة السويس والعدوان الثلاثي عام 1956، اتهم النظام الناصري الجماعة بالتنسيق مع جهات خارجية لتقويض الجبهة الداخلية، في حين اعتبرت الجماعة الإجراءات الأمنية ضدها قمعاً سياسياً، مما عمق الفجوة بين التنظيم ومفهوم الدولة الوطنية.
4. الخلاصة: اقتلاع “شجرة الحنظل” في 30 يونيو
يسجل التاريخ في صفحاته المعاصرة درساً بليغاً: “إن أي فصيل سياسي يرتبط بأجندات أجنبية أو يقبل أن يكون أداة ضد دولته، يسقط حتماً من وعي وشعور شعبه”.
من هنا، يرى قطاع واسع من الباحثين والمواطنين أن ثورة 30 يونيو 2013 لم تكن مجرد حراك سياسي، بل كانت بمثابة قرار شعبي حاسم باقتلاع ما يُعرف بـ “شجرة الحنظل”، لينهي المصريون حكم الجماعة بعد عام واحد فقط من تولي محمد مرسي السلطة.
الكلمة الأخيرة:
تثبت الأحداث دائماً أن مصر دولة وطنية راسخة بجيشها وشعبها، لا تُحكم من خارج حدودها وليس لها وصي. ومن راهن على الاستعمار البريطاني بالأمس، أو تطلع لقوى خارجية اليوم، خسر رهانه وخسر شعبه، وبقيت مصر للمصريين.



