الرئيسيةمقالاتجريمة تهدم البيوت وتُدمّر نفسية الأبناء (نشر الشائعات الأسرية )
مقالات

جريمة تهدم البيوت وتُدمّر نفسية الأبناء (نشر الشائعات الأسرية )

جريمة تهدم البيوت وتُدمّر نفسية الأبناء (نشر الشائعات الأسرية )

 

بقلم/ المحامية هاجر محمد حسني

 

في السنوات الأخيرة تصدّر ملف الشائعات الأسرية واجهة المشكلات الاجتماعية والقانونية داخل المجتمع المصري، خاصة مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وسهولة تداول الكلام بلا ضابط أو دليل.

ورغم أن البعض يستهين بعبارة تُقال أو جملة تُروى، إلا أن القانون لا ينظر إلى الشائعة باعتبارها “رأيًا” أو “مزحة”، بل يراها اعتداءً صريحًا على السمعة والأمان الأسري قد يرقى لدرجة الجريمة الجنائية كاملة الأركان.

 

أولًا: ما هي الشائعة الأسرية ولماذا تنتشر؟

 

الشائعة الأسرية هي أي معلومة كاذبة أو ادعاء غير موثَّق يمس أحد الزوجين أو أحد أفراد العائلة، ويتم تداوله شفهيًا أو عبر رسائل أو منشورات إلكترونية.

 

أسباب انتشارها متعددة، أهمها:

 

التدخلات العائلية في تفاصيل الحياة الزوجية.

 

الغيرة والحسد وسوء النية بين الأقارب والجيران.

 

الخلافات الزوجية التي تخرج من نطاق البيت إلى الدوائر المحيطة.

 

غياب الوعي القانوني بخطورة الكلمة وتأثيرها.

 

السوشيال ميديا التي جعلت الخصوصية سلعة مكشوفة.

 

الشائعة تبدأ غالبًا بجملة “سمعت إن…” وتنتهي بانهيار كامل للعلاقة الزوجية.

 

ثانيًا: أثر الشائعات على استقرار البيت

 

لا توجد كلمة تهدم بيتًا أسرع من كلمة تُشكّك، أو تُشوّه، أو تزرع الريبة بين زوجين.

الشائعات تؤدي إلى:

 

تفكك الثقة الزوجية وفقدان الشعور بالأمان.

 

تصاعد النزاعات وتحويل الخلافات الصغيرة إلى صراعات مستعصية.

 

تغذية الغضب والشكّ بين الطرفين.

 

توسّع دائرة الخلاف لتشمل أهل الزوج وأهل الزوجة والجيران والمحيط.

 

إنها ليست مجرد “كلام”، بل شرارة قادرة على إشعال حرب أسرية.

 

ثالثًا: التأثير النفسي العميق على الأطفال

 

الأطفال هم الضحايا الصامتون للشائعات.

تعرّضهم لمناخ متوتر قائم على الشكّ والتشهير يؤدي إلى:

 

اضطرابات القلق والخوف.

 

التشتت الدراسي وفقدان التركيز.

 

الشعور بعدم الأمان داخل البيت.

 

كراهية أحد الوالدين نتيجة لما يسمعونه من أطراف خارجية.

 

صورة مشوّهة للعلاقات الأسرية قد تستمر معهم لسنوات.

 

الأثر النفسي لا ينتهي بانتهاء الشائعة… بل يبقى في ذاكرة الطفل وعقله.

 

رابعًا: الأثر القانوني للشائعات الأسرية

جريمة لا تسقط بالتسامح

 

القانون المصري يتعامل بجدية شديدة مع الشائعات التي تمس الحياة الزوجية أو سمعة أحد الطرفين:

 

1. جريمة السب والقذف (المواد 302–306 عقوبات)

 

كل ادعاء يمس الشرف أو يُنسب سلوكًا مشينًا بلا دليل يُعد قذفًا عقوبته:

الحبس أو الغرامة.

 

2. التشهير الإلكتروني (قانون 175 لسنة 2018 للجرائم الإلكترونية)

 

نشر الشائعة عبر فيسبوك، واتساب، أو أي وسيلة إلكترونية يعرّض مرتكبها لـ:

 

حبس

 

وغرامة تبدأ من 100 ألف جنيه

 

3. البلاغ الكاذب

 

إذا قام أحد أفراد الأسرة بتقديم بلاغ غير صحيح ضد الزوج أو الزوجة، يُعاقب قانونًا على البلاغ الكاذب وسوء القصد.

 

4. التأثير على دعاوى الأسرة

 

الشائعة يمكن أن تُستخدم كسبب:

 

للطلاق للضرر

 

أو لنقل الحضانة

 

أو لطلب تعويض مدني عن الأذى النفسي والمادي

 

خامسًا: لماذا تُعد الشائعات الأسرية أخطر من أي خلاف؟

 

لأن الخلاف يمكن حله…

أما الشائعة فإذا انتشرت فلن يستطيع أحد لملمة آثارها بسهولة.

 

الخلاف يُناقش داخل الغرف المغلقة، بينما الشائعة تخرج للعلن وتصبح وصمة اجتماعية يصعب محوها حتى مع مرور الوقت.

 

سادسًا: كيف نواجه ظاهرة الشائعات داخل الأسرة؟

 

نشر الوعي القانوني بخطورة تداول الكلام.

 

التزام الطرفين بالسرية في مشكلاتهما.

 

عدم السماح للأهل بالتدخل المفرط.

 

اللجوء للحوار المباشر بدلًا من الاستماع لأطراف خارجية.

 

اتخاذ الإجراءات القانونية ضد من يروّج شائعة تضرب الأسرة.

 

نصيحة بجد من محامية :-

الشائعة ليست “مجرد كلام”، بل هي خطر حقيقي قد يهدّم بيت، ويقتل ثقة، ويصنع جيلًا مهزوزًا نفسيًا.

 

والقانون وُضع لحماية البيوت لا لهدمها، لكنه لا يستطيع أن يمنع الشائعة قبل أن تُقال…

إنما يستطيع أن يعاقب قائلها، ويثبت حق من تضرر بها.

 

حماية الأسرة تبدأ بـ الكلمة، وتنتهي بـ الوعي القانوني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *