الدوائر الاقتصادية ٢
التضخم..
لماذا ترتفع الأسعار؟ ومن يدفع الثمن؟
بقلم: د. محمد عوض سالم
خبير اقتصادي وكاتب
«الاقتصاد ليس أرقامًا… بل قرارات تصنع المستقبل»
في المقال الأول أو في الحلقة الأولى من سلسلة مقالات «الدوائر الاقتصادية» بدأنا رحلة بسيطة لفهم الاقتصاد من حولنا، وقلنا إن الاقتصاد ليس شأنًا خاصًا بالبنوك والمستثمرين ورجال الأعمال،
وإنما هو حاضر في تفاصيل حياتنا اليومية؛ في دخل الأسرة، وأسعار السلع، والادخار، والشراء، والاستثمار، وحتى في القرارات الصغيرة التي نتخذها كل يوم.
وفي هذا المقال أو في هذه الحلقة نقترب من كلمة نسمعها كثيرًا، وربما لا ندرك حجم تأثيرها الحقيقي علينا:
التضخم.
فماذا يعني التضخم؟
ولماذا ترتفع الأسعار؟
وهل كل ارتفاع في سعر سلعة يعني أن هناك تضخمًا؟
ولماذا يشعر المواطن أحيانًا بأن دخله لم يعد يكفي كما كان من قبل؟
ما هو التضخم ببساطة؟
التضخم يعني بصورة مبسطة ارتفاعًا مستمرًا في المستوى العام لأسعار السلع والخدمات، بما يؤدي إلى انخفاض القوة الشرائية للنقود.
بمعنى آخر، إذا كنت تستطيع شراء احتياجات معينة بمبلغ 1000 جنيه، ثم أصبحت تحتاج إلى 1200 أو 1300 جنيه لشراء الاحتياجات نفسها، فإن قيمة ما تملكه من نقود من حيث القوة الشرائية قد تراجعت.
وهنا يجب أن نفهم نقطة مهمة:
التضخم لا يعني أن كل الأسعار ترتفع بنفس النسبة، ولا يعني أن كل سلعة يجب أن يرتفع سعرها.
فقد يرتفع سعر سلعة معينة بسبب نقص المعروض منها، أو زيادة تكاليف إنتاجها، دون أن يكون ذلك وحده دليلًا على وجود تضخم عام.
لماذا ترتفع الأسعار؟
الأسباب متعددة، والاقتصاد لا يعمل بزر واحد نضغط عليه فتتغير الأسعار.
أحيانًا يكون السبب أن الطلب على السلع والخدمات أكبر من المعروض.
وأحيانًا ترتفع تكاليف الإنتاج، مثل تكلفة الطاقة أو النقل أو المواد الخام، فينعكس ذلك على السعر النهائي للمنتج.
وقد تتأثر الأسعار أيضًا بتغيرات أسعار الصرف، خصوصًا في الاقتصادات التي تعتمد على استيراد جزء من احتياجاتها أو مدخلات إنتاجها من الخارج.
وهناك كذلك عوامل عالمية؛ مثل ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة أو اضطراب سلاسل الإمداد أو الأزمات الجيوسياسية.
إذن، عندما يرتفع سعر منتج في السوق، لا ينبغي أن يكون السؤال فقط:
«لماذا ارتفع السعر؟»
بل يجب أن نسأل:
«ما الذي حدث خلف ارتفاع الاسعار؟»
وهنا تبدأ القراءة الاقتصادية الحقيقية.
التضخم لا يأكل النقود… بل يأكل قدرتها على الشراء
تخيل أن شخصًا كان يحصل على دخل قدره 10 آلاف جنيه شهريًا.
إذا ارتفعت الأسعار بصورة كبيرة بينما ظل دخله ثابتًا، فإنه لم يخسر جزءًا من أمواله الموجودة في حسابه بالضرورة، لكنه فقد جزءًا من القوة الشرائية لدخله.
وهذا هو أحد أخطر آثار التضخم على الأسر.
فالأسرة تبدأ في إعادة ترتيب أولوياتها:
الغذاء أولًا، ثم السكن، ثم التعليم والصحة والمواصلات، بينما قد تتراجع بعض النفقات الأخرى.
ومع استمرار ارتفاع الأسعار، قد تضطر الأسرة إلى تقليل الادخار أو تأجيل بعض احتياجاتها.
وهكذا ينتقل التضخم من رقم اقتصادي إلى قرار داخل كل منزل.
ومن هنا تبدأ «الدائرة الاقتصادية»
لنفترض أن تكلفة إنتاج أحد المنتجات ارتفعت.
المنتج يرفع سعره للحفاظ على استمرارية نشاطه.
المستهلك يدفع سعرًا أعلى.
إذا تكرر الأمر في عدد كبير من السلع والخدمات، ترتفع تكلفة المعيشة.
فتبدأ الأسر في المطالبة بزيادة الدخول.
وترتفع تكاليف بعض الشركات.
فتعيد الشركات حساب أسعارها وتكاليفها.
وهكذا ندخل في دائرة اقتصادية متشابكة.
ولهذا فإن مواجهة التضخم ليست مجرد قرار برفع أو خفض سعر سلعة، وإنما هي عملية متكاملة تتعلق بالإنتاج، والعرض والطلب، والاستثمار، والسياسة النقدية، والسياسة المالية، وسلوك المستهلك.
ما هو البنك المركزي؟
هنا يظهر دور البنك المركزي في إدارة السياسة النقدية.
ومن الأدوات التي يمكن استخدامها للتأثير في مستويات الطلب والائتمان وتكلفة الاقتراض أسعار الفائدة.
عندما ترتفع تكلفة الاقتراض، قد يتباطأ الطلب على بعض السلع والاستثمارات، وهو ما يمكن أن يساعد في تخفيف بعض الضغوط التضخمية.
لكن المسألة ليست بهذه البساطة دائمًا.
فإذا كان ارتفاع الأسعار ناتجًا عن مشكلة في المعروض أو ارتفاع تكلفة الإنتاج، فإن رفع الفائدة وحده لن ينتج المزيد من الغذاء أو الطاقة أو المواد الخام.
لذلك فإن الاقتصاد يحتاج إلى مزيج من السياسات، وليس إلى أداة واحدة.
هل الحل هو زيادة الأجور فقط؟
زيادة الدخول قد تكون ضرورية عندما تتراجع القدرة الشرائية للمواطن، لكن الاقتصاد يحتاج إلى النظر إلى الصورة كاملة.
فإذا ارتفعت الأجور دون زيادة مقابلة في الإنتاجية والإنتاج، فقد ترتفع تكاليف بعض الأنشطة، وقد تنتقل الضغوط مرة أخرى إلى الأسعار.
ولهذا فإن المعادلة الأكثر استدامة هي:
زيادة الإنتاج + تحسين الإنتاجية + الاستثمار + استقرار الأسواق + حماية القوة الشرائية.
فالاقتصاد القوي لا يكتفي بمحاولة السيطرة على الأسعار، وإنما يعمل على زيادة قدرته على إنتاج السلع والخدمات التي يحتاجها المجتمع.
وماذا يفعل المواطن؟
هنا نصل إلى الجزء الذي يهمنا جميعًا.
فهم التضخم لا يعني أن المواطن يستطيع التحكم في الأسعار، لكنه يساعده على اتخاذ قرارات أفضل.
في فترات ارتفاع الأسعار، يصبح من المهم أن تعرف:
– ما هي احتياجاتك الأساسية فعلًا؟
– ما الذي يمكن تأجيله؟
– هل الإنفاق الحالي يتناسب مع دخلك؟
– هل تستطيع تكوين قدر مناسب من المدخرات؟
– هل تضع أموالك في صورة تحفظ قيمتها وفقًا لدرجة المخاطر التي تستطيع تحملها؟
– وهل قرار الشراء الآن أفضل من التأجيل؟
هذه كلها قرارات اقتصادية لا تنظر إلى السعر وحده
من الأخطاء الشائعة أن نقول:
«هذا المنتج ارتفع سعره إذن الاقتصاد سيئ.»
التحليل الاقتصادي يحتاج إلى صورة أكبر.
قد يرتفع سعر سلعة بينما تنخفض أسعار سلعة أخرى.
وقد ترتفع الأسعار مؤقتًا بسبب عامل محدد، ثم تتراجع الضغوط.
وقد تكون المشكلة في الإنتاج وليس في التجار.
وقد يكون هناك تحسن في مؤشرات اقتصادية معينة، بينما لا يشعر المواطن بهذا التحسن فورًا بسبب استمرار تأثيرات ارتفاع الأسعار السابقة.
وهنا يجب أن نفرق بين ارتفاع الأسعار وبين معدل التضخم، وبين المؤشرات الاقتصادية الكلية وبين شعور المواطن بتكلفة المعيشة.
المواطن والاقتصاد وجهان لعملة واحدة
ربما كانت أهم رسالة في هذا المقال أو في هذه الحلقة هي أن الاقتصاد ليس بعيدًا عن المواطن.
عندما تذهب إلى السوق، فأنت جزء من الاقتصاد.
عندما تدخر، فأنت جزء من الاقتصاد.
عندما تقترض، فأنت جزء من الاقتصاد.
عندما تؤجل شراء سلعة، أو تغير نوع المنتج الذي تشتريه، أو تبحث عن بديل أقل تكلفة، فأنت أيضًا تتفاعل مع الاقتصاد.
ولهذا فإن الوعي الاقتصادي ليس رفاهية.
إنه وسيلة تساعدنا على فهم ما يحدث حولنا، واتخاذ قرارات أكثر عقلانية، وعدم الوقوع فريسة للشائعات أو الانطباعات السريعة.
في المقال القادم أو في الحلقة القادمة بإذن الله …
إذا كان التضخم يجعلنا نسأل:
«لماذا ترتفع الأسعار؟»
فإن السؤال التالي سيكون:
«من الذي يحدد سعر الفائدة؟ ولماذا ترتفع أو تنخفض؟ وكيف يمكن لقرار نقدي أن يصل تأثيره إلى جيب المواطن؟»
هذه هي المحطة القادمة في رحلتنا داخل «الدوائر الاقتصادية».
لأننا لا نريد أن نحفظ المصطلحات الاقتصادية…
بل نريد أن نفهمها، ونفهم تأثيرها في حياتنا، ونقرأ من خلالها المستقبل.
الاقتصاد ليس أرقامًا… بل قرارات تصنع المستقبل.


