بقلم: عبد الفتاح المصري
هناك صفةٌ جامعة إذا حلّت في بيتٍ ألّفت بين القلوب، وأذهبت الغيظ، وزرعت المحبة، وجمعت الشمل. صفةٌ عظيمة عظّمها الله تعالى في كتابه الكريم، ورسخها رسوله ﷺ في سنته النبوية الشريفة. إنها تجسيدٌ حي للرحمة والمودة، وترياقٌ يداوي الشحناء والبغضاء، ويرقق القلوب القاسية.
فهل خطرت ببالك هذه الصفة؟
إنها العفو والتسامح، والتغافل عن صغائر الأمور داخل الأسرة.
التسامح بين الزوجين والأبناء: حبل النجاة
إن غرس ثقافة العفو والتسامح بين الرجل وزوجته، وبين الآباء وأبنائهم في مواقف الحياة اليومية البسيطة، هو الضمانة الحقيقية لاستمرار الحياة. فكل ابن آدم خطاء، ولا يسلم أحدٌ منا من الزلل أو التقصير، وهنا يأتي دور الحب ليمحو تلك العثرات.
يقول الله تعالى في محكم التنزيل:
{فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [سورة الشورى: الآية 40]
وفي الأثر يُقال: “التمس لأخيك سبعين عذراً”. فالعفو لم يكن يوماً دليلاً على الضعف، بل هو من شيم الكرام والأقوياء.
منهج النبي ﷺ في إدارة الخلافات الزوجية
إذا تأملنا السيرة النبوية المطهرة، سنجد أن البيوت الشريفة للنبي ﷺ لم تخْلُ من الغيرة والمواقف البشرية الطبيعية بين الزوجات. لكنه ﷺ كان يعفو ويصفح ويحتوي الموقف بحكمة حانية. ولو حدثت بعض تلك المواقف في بيوتنا اليوم، لربما تسرع أحدنا بطلاق زوجته في ليلتها!
ورغم مكانته العظيمة كقائد للأمة ورسول للعالمين، كان ﷺ في مهنة أهله (خدمة بيته):
يساعد في إعداد الطعام والشراب.
يخصف نعله ويخيط ثوبه بنفسه.
يداعب أزواجه ويتودد إليهن، حتى إنه كان يتسابق في الجري مع أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.
خطورة غياب التسامح: جيلٌ ضائع ومجتمعٌ ممزق
ما خلا بيتٌ من العفو والتغافل إلا وحلّ فيه الخراب، وتسلل إليه الدمار، وانتهى بالطلاق وتشريد الأطفال. والنتيجة الحتمية لغياب التسامح الأسرى هي خروج جيلٍ معقد نفسياً، يملؤه الكره تجاه الأب والأم والمجتمع.
هذا التفكك يقود الأبناء -في كثير من الأحيان- إلى طرق الانحراف كالإدمان، السرقة، والوقوع في المحرمات، بعد أن يفقدوا المأوى النفسي والجسدي الآمن. وحينها، يكون الآباء هم السبب المباشر في هلاك أسرتهم وتدمير مستقبل أبنائهم.
خاتمة: اعفوا تعافوا
إن الأمر جد خطير، خاصة في زماننا هذا الذي أصبحت فيه نسب الطلاق تتفوق على نسب الزواج. لذا، سارعوا إلى إحياء هذه السنة المهجورة داخل بيوتكم؛ اعفوا واصفحوا تعافوا من البلاء والهموم، واجعلوا من التسامح حصناً يحمي عائلاتكم من الهلاك.

