محمود السنكري
في حياة الإنسان أشياء كثيرة تتغير الوجوه تتبدل والسنوات تمر والمواقع تتغير والأسماء التي كانت تملأ المشهد قد تختفي من الذاكرة لكن هناك حقيقة لا تتغير مهما حاول البعض تجاهلها:
المناصب تذهب والأسماء تتغير والسلطة لا تدوم لأحد.
قد يجلس الإنسان اليوم على أعلى مقعد تحيط به الأضواء وتُفتح له الأبواب ويقف حوله أصحاب المصالح ويكثر من يمدحونه ويقتربون منه فيظن أن هذا المكان سيبقى له إلى الأبد.
لكن الأيام لا تعرف الأبدية.
فالكرسي الذي يجلس عليه مسؤول اليوم جلس عليه غيره بالأمس وسيجلس عليه غيره غدًا.
والسلطة التي يظن صاحبها أنها تمنحه القوة الدائمة قد تنتهي بقرار واحد أو بانتهاء مدة أو بتغير الظروف أو بمجرد أن يأتي يومه فيغادر المكان كما غادره من سبقوه.
لا أحد يبقى في موقعه إلى الأبد.
وهنا تظهر قيمة الإنسان الحقيقية.
فالمنصب لا يصنع عظمة صاحبه وإنما يكشف أخلاقه والسلطة لا تمنح الإنسان قيمة وإنما تكشف كيف يستخدم القوة عندما تكون في يده.
هناك من يصل إلى المنصب فيزداد تواضعًا لأنه يعرف أن الموقع مسؤولية وأن الناس الذين يقفون أمامه أصحاب حقوق وأن الكرسي الذي يجلس عليه مؤقت.
وهناك من يصل إلى المنصب فيتغير فينسى من كانوا معه قبل المنصب ويتعامل مع الناس من أعلى ويعتقد أن الأبواب التي تُفتح له اليوم ستظل مفتوحة إلى الأبد.
لكنها لن تبقى..
فالزمن لا يجامل أحدًا والأيام لا تحفظ لأحد منصبه والسلطة مهما طال عمرها لها نهاية ومن لا يفهم هذه الحقيقة يفهمها متأخرًا.
قد يحيط بالمسؤول عشرات الأشخاص وقد يتسابق البعض إلى مدحه وقد تصبح كلمته مسموعة وقد يظن أن كثرة المحيطين به دليل على محبته.
لكن ليس كل من اقترب منك أحبك.
بعض الناس يقتربون من المنصب لا من الإنسان ويقتربون من القوة لا من صاحبها ويقتربون من المصلحة فإذا انتهت المصلحة انتهى الاقتراب.
ولهذا لا ينبغي للمسؤول أن يقيس قيمته بعدد من يصفقون له بل بعدد الحقوق التي أعادها والمشكلات التي حلها والناس الذين أنصفهم والمؤسسات التي تركها أفضل مما كانت.
فالتصفيق ينتهي لكن الأثر يبقى والكلمات التي قيلت في مدحك قد تُنسى لكن موقفك مع إنسان مظلوم لا يُنسى والمنصب قد يُكتب في سيرتك الذاتية لكن ما فعلته أثناء وجودك فيه هو الذي سيكتب في ذاكرة الناس.
ولهذا فإن أعظم مسؤول هو الذي لا يسمح للمنصب أن يغير إنسانيته ولا يتكبر على موظف صغير ولا يحتقر مواطنًا بسيطًا ولا يغلق بابه أمام صاحب حق ولا يجعل الواسطة طريقًا فوق القانون ولا يستخدم سلطته للانتقام ولا يحول المؤسسة التي يديرها إلى ملكية خاصة.
لأنه يعرف أن كل شيء مؤقت.
المنصب مؤقت والسلطة مؤقتة والمال مؤقت والأضواء مؤقتة أما السيرة فتبقى.
وقد يرحل الإنسان من منصبه لكن اسمه يبقى في ذاكرة الناس إما بالخير وإما بغير ذلك.
هناك مسؤولون غادروا مواقعهم منذ سنوات لكن الناس ما زالوا يذكرونهم لأنهم كانوا عادلين قريبين من الناس أصحاب مواقف يحترمون القانون ويؤدون الأمانة.
وهناك من غادروا المناصب ولم يبقَ من وجودهم سوى حكايات عن التعالي والظلم وسوء استخدام السلطة.
وهنا يجب أن يتوقف كل صاحب منصب أمام نفسه ويسأل:
ماذا سيقول الناس عني بعد أن أرحل؟
هل سيقولون كان عادلًا؟ هل سيقولون كان أمينًا؟ هل سيقولون كان يحترم الإنسان؟ هل سيقولون ترك أثرًا طيبًا؟ أم سيقولون كان لا يرى إلا نفسه؟
هذه الأسئلة أهم من كل ألقاب الدنيا.
فالألقاب تزول والمناصب تنتهي لكن الأخلاق لا تحتاج إلى منصب كي تظهر والإنسان الحقيقي لا يعرفه الناس عندما يكون ضعيفًا فقط بل يعرفونه أكثر عندما يصبح قادرًا على استخدام قوته.
القوة الحقيقية ليست في أن تستطيع أن تظلم وإنما في أن تستطيع أن تنتصر لنفسك دون أن تظلم غيرك وليست في أن تجعل الناس يخافون منك وإنما في أن تجعلهم يحترمونك وليست في أن تُسمع الجميع صوتك وإنما في أن تسمع أنت صوت من لا يستطيعون الوصول إليك.
إن المسؤول الذي يخاف الناس منه قد ينجح في فرض سلطته لكنه يفشل في صناعة احترام حقيقي أما المسؤول الذي يحترم الناس فيحصل على احترام لا يحتاج إلى أوامر.
وهنا الفرق بين هيبة المنصب وهيبة الإنسان.
هيبة المنصب تنتهي بانتهاء المنصب أما هيبة الإنسان فتبقى إذا بُنيت على الأخلاق والعدل والكفاءة.
ولهذا فإن صاحب السلطة يجب أن يتذكر دائمًا أن هناك من سبقه إلى هذا المكان وأن هناك من سيأتي بعده.
لا أحد يبدأ من الصفر ولا أحد ينتهي عنده التاريخ.
المكاتب نفسها والكراسي نفسها والمؤسسات نفسها لكن الأشخاص يتغيرون.
فلماذا يتصرف بعض الناس وكأنهم أصحاب المكان إلى الأبد؟ ولماذا ينسى البعض أن الكرسي الذي يدافع عنه اليوم بكل قوة سيجلس عليه شخص آخر غدًا؟ ولماذا يعتقد البعض أن مخالفة الناس لرأيه تعني مخالفتهم للدولة؟
الدولة أكبر من الأشخاص والمؤسسات أبقى من المسؤولين والوطن أوسع من أي منصب.
ومن أخطر الأخطاء أن يربط الإنسان نفسه بالمنصب إلى درجة يعتقد معها أن انتهاء منصبه يعني انتهاء قيمته.
وهذا غير صحيح.
قيمة الإنسان ليست في الكرسي الذي يجلس عليه وإنما في قدرته على أن يبقى محترمًا عندما يترك الكرسي.
وهنا يظهر الفرق بين من كان يحب السلطة ومن كان يحب العمل.
من يحب السلطة يخاف من نهايتها أما من يحب العمل فيترك خلفه إنجازًا يستطيع أن يتحدث عنه دون أن يحتاج إلى منصب.
من يحب النفوذ يجمع حوله التابعين أما من يحب الوطن فيبني مؤسسات قوية لا تعتمد على شخص واحد.
من يحب نفسه يبحث عن التصفيق أما من يحب الناس فيبحث عن حلول لمشكلاتهم.
ومن يفهم معنى المسؤولية يعرف أن المنصب فرصة لخدمة الناس وليس فرصة لاستغلالهم.
لا تجعلوا المناصب أكبر منكم.
فالمنصب الذي يرفع الإنسان بأخلاقه هو منصب ناجح أما المنصب الذي يجعله متكبرًا على الناس فهو امتحان قد يفشل فيه صاحبه.
وكلما ارتفع الإنسان في موقعه كان عليه أن يزداد تواضعًا لأن ارتفاع المكان يزيد حجم المسؤولية.
ليس من الحكمة أن تنظر إلى من هم أسفل منك في المنصب بل أن تتذكر أنك كنت يومًا في مكان أقل وأن من هم حولك اليوم قد يكونون أصحاب القرار غدًا.
الأيام تدور والظروف تتغير والسلطة تنتقل وما تفعله اليوم بالناس قد تجد أثره غدًا في الطريق الذي تسير فيه.
ولهذا لا تُهِن إنسانًا لأنك أقوى منه ولا ترفض حقًا لأن صاحبه لا يملك نفوذًا ولا تستخدم سلطتك لتصفية الحسابات ولا تجعل قرب الناس منك معيارًا للحصول على الحقوق.
اجعل القانون هو المعيار واجعل الكفاءة هي الطريق واجعل الأمانة هي الأساس واجعل الإنسان هو القيمة.
فإذا انتهى منصبك لن يبقى معك مكتبك ولا مقعدك ولا الحرس ولا المرافقون ولا أصحاب المصالح.
سيبقى شيء واحد:
أثرك.
سيبقى ما فعلته في حياة الناس وسيبقى العدل الذي أقمتَه وسيظل الظلم الذي ارتكبته حاضرًا في ذاكرة من ظلمتهم وستبقى مواقفك شاهدة عليك.
وهنا تأتي الحقيقة التي يجب ألا ينساها أحد:
المناصب لا تمنح أصحابها الخلود والسلطة لا تمنح أصحابها الأمان والأسماء لا تبقى في الواجهة إلى الأبد.
كل شيء يتغير.
لكن السيرة الطيبة تستطيع أن تعيش أطول من صاحبها والعمل الصالح يستطيع أن يبقى بعد رحيل صاحبه والعدل يمكن أن يتحول إلى ذكرى جميلة تتناقلها الأجيال.
أما الغرور بالمنصب فينتهي غالبًا لحظة مغادرة الكرسي.
لذلك إذا كنت في موقع مسؤولية فاستغل وقتك في البناء لا في الاستعراض.
اعمل لا ليقال إنك قوي بل ليقال إنك عادل.
لا تجمع حولك من يمدحونك بل اجمع حولك من يستطيعون أن يقولوا لك الحقيقة.
لا تبحث عن الخوف في عيون الناس بل عن الثقة.
لا تجعل الناس يحتاجون إلى شخصك بل اجعل المؤسسة التي تديرها قوية بما يكفي لخدمة الناس حتى بعد رحيلك.
فالمسؤول الناجح ليس من يجعل المؤسسة مرتبطة به بل من يجعل المؤسسة أقوى بعده.
وفي النهاية سيأتي اليوم الذي يغلق فيه صاحب المنصب باب مكتبه للمرة الأخيرة وسيغادر المكان وسيجلس شخص آخر على الكرسي وقد ينسى الناس تفاصيل كثيرة مما حدث.
لكنهم لن ينسوا كيف شعروا في وجوده.
هل شعروا بالعدل أم بالخوف؟ هل وجدوا أمامهم إنسانًا أم حاجزًا؟ هل حصلوا على حقوقهم أم اضطروا إلى البحث عن واسطة؟ هل ترك وراءه احترامًا أم مرارة؟
وهنا فقط تظهر الحقيقة…
المناصب تذهب والأسماء تتغير والسلطة لا تدوم لأحد لكن أثر الإنسان هو الشيء الذي قد يبقى بعد رحيله.
فاختر لنفسك أثرًا يليق بك.
واجعل نهايتك من المنصب بداية لاحترام الناس لك لا نهاية لعلاقتهم بك.
ولا تنسَ أن الكرسي الذي تجلس عليه اليوم ليس لك وأن الموقع الذي تفتخر به اليوم سيصبح غدًا جزءًا من الماضي.
أما الوطن والمؤسسة والناس فسيبقون.
فلا تتعامل مع المنصب كأنه ملكية تعامل معه كأنه أمانة ولا تتعامل مع السلطة كأنها حق دائم تعامل معها كأنها مسؤولية مؤقتة ولا تتعامل مع الناس كأنهم تابعون لك تعامل معهم باعتبارهم أصحاب حقوق وكرامة.
فالتاريخ لا يخلد من امتلك الكرسي بل يخلد من أحسن الجلوس عليه وأحسن مغادرته.

