الجمعة, يونيو 19, 2026
الرئيسيةمقالاتالقيم قبل الأزمات: الرسالة الأعمق في حديث رئيس الجيش البنغلاديشي
مقالات

القيم قبل الأزمات: الرسالة الأعمق في حديث رئيس الجيش البنغلاديشي

القيم قبل الأزمات: الرسالة الأعمق في حديث رئيس الجيش البنغلاديشي

بقلم: د/ زُبير سُلطان رَبّاني

كاتب في الفكر الإسلامي وقضايا الواقع المعاصر

 

 

 

 

في حفل تخرج دفعة جديدة من ضباط الأكاديمية العسكرية البنغلاديشية يوم 18 يونيو 2026، وجّه رئيس أركان الجيش البنغلاديشي، الجنرال وقار الزمان، رسالة ذات دلالة عميقة حين دعا الضباط الجدد إلى التمسك بالقيم الدينية والالتزام بالأخلاق والقواعد السلوكية، مؤكدًا أن هذه المبادئ تسهم في بناء شخصية عسكرية نزيهة وقادرة على أداء مسؤولياتها بكفاءة وأمانة.

وتكشف هذه الكلمات عن وعي بطبيعة المؤسسة العسكرية ورسالتها؛ فالجندية ليست مهارة ميدانية فحسب، بل شخصية متكاملة يجتمع فيها الانضباط والأمانة وتحمل المسؤولية. ولهذا ترتبط كفاءة الضابط بقدر ما يحمله من قيم تضبط سلوكه وتوجه قراراته وترسم علاقته بواجبه وموقعه ومسؤوليته.

وقد قرر القرآن الكريم هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: 26]. فالآية تجمع بين الركنين اللذين تقوم عليهما المسؤوليات الكبرى: القوة التي تحقق القدرة على الإنجاز، والأمانة التي تمنح هذه القدرة حسن التوجيه وسلامة الأداء. ومن اجتماعهما تتشكل الشخصية المؤهلة لحمل الواجبات والقيام بالمهام على الوجه الأكمل.

كما أرشد القرآن إلى قيمة الانضباط والالتزام بالنظام فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59]. ثم قدم صورة جامعة لمعاني التماسك والتنظيم في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: 4]. وفي هاتين الآيتين تبرز معاني الطاعة المسؤولة، والانضباط، ووحدة الصف، والالتزام الذي تقوم عليه الأعمال العسكرية الناجحة.

كما ربط القرآن بين المسؤولية والأمانة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58]. فالأمانة تمثل جوهر المسؤولية، وتمثل الميزان الذي يحكم أداء الواجبات وحسن القيام بها.

وجاءت السنة النبوية مؤكدة لهذا البناء؛ فقال النبي ﷺ: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف» (رواه مسلم، رقم 2664)، وقال ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» (رواه البخاري، رقم 893، ومسلم، رقم 1829). وتجمع هذه التوجيهات بين القوة وحسن تحمل المسؤولية، وتجعل الأخلاق والأمانة جزءًا من حقيقة القوة وكمالها.

وقد تجلت هذه المعاني في التجربة العسكرية الإسلامية منذ العهد الأول؛ فعندما بعث أبو بكر الصديق رضي الله عنه الجيوش أوصى قادتها بتقوى الله وحسن السيرة وضبط السلوك والالتزام بجملة من الآداب والأخلاق التي ترافق الجندي في أداء مهمته. وجاءت هذه الوصايا لتؤكد أن الانضباط الأخلاقي يمثل جزءًا من الانضباط العسكري، وأن الأمانة وحسن الخلق ركنان أصيلان في شخصية القائد والجندي على السواء.

ومن هنا تتجلى الرسالة الأعمق في حديث رئيس الجيش البنغلاديشي؛ فبناء الشخصية العسكرية يبدأ من ترسيخ القيم التي تضبط القوة، وتعزز الأمانة، وترفع مستوى المسؤولية، وتوجه السلوك. وعندما تجتمع القوة مع الأمانة، والانضباط مع الأخلاق، تتشكل الشخصية العسكرية التي تؤدي واجبها بكفاءة

ونزاهة واقتدار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *