الأربعاء, يوليو 1, 2026
الرئيسيةمقالاتنقابة الأشراف وأوقافها: سياسة الاحتكار والاستيلاء والنهاية قصف رقبة والجنون
مقالات

نقابة الأشراف وأوقافها: سياسة الاحتكار والاستيلاء والنهاية قصف رقبة والجنون

 

بقلم: أشرف بن ماضي الشعراني كاتب صحفي وباحث 

*أولاً: طبيعة أوقاف السادة الأشراف*

كانت “أوقاف السادة الأشراف” ثروة عقارية ضخمة، تشمل الأراضي الزراعية، والعقارات، والحوانيت، والدكاكين. وقد أوقفها السلاطين والأمراء لينفق ريعها على ذرية النبي ﷺ من الفقراء والمحتاجين، وفي كسوة الأيتام، وتزويج البنات، وعمارة المشاهد.

 

*ثانياً: دور النقيب وسبب استئثار البكريين به*

إن منصب “نقيب الأشراف” كان بمثابة المتولي الشرعي على هذه الأوقاف، بيده الدفاتر، وله سلطة التعيين والعزل والصرف. ولذلك، حرص المماليك والعثمانيون على تولية من يضمنون ولاءه وطاعته. 

 

فكان اختيارهم لأسرة *البكريين الصديقيين* قائماً على معادلة سياسية: 

> “نقيب حسني أو حسيني فقير سيوزع المال على مستحقيه، أما نقيب بكري ثري متحالف مع السلطة فسيقتسم الريع معنا، ويبقي للسادة اليسير”.

 

*ثالثاً: تجاوزات الشيخ خليل البكري نقيب الأشراف*

بلغ الفساد ذروته في عهد *الشيخ خليل البكري* نقيب الأشراف أواخر القرن 12هـ، وتجلت تجاوزاته في:

 

1. *الاستبداد بالنقابة*: انفرد بالقرار، وأبعد مشايخ السادة الحسينيين والعلويين من مجلس النقابة، وجعلها حكراً على أقاربه البكريين.

 

2. *العبث بالأوقاف*: أكثر من عقود “الاستبدال” المشبوهة. وقد وثقت دار المحفوظات واقعة استبداله حكر وقف السادة بحارة برجوان بأرض نائية لا قيمة لها، ثم انتقلت ملكية الحكر الأصلي إلى أمراء المماليك.

 

3. *إدخال الدخلاء*: أمر بإثبات نسب مئات من البكريين وأصهارهم في دفاتر السادة زوراً، ليستحقوا معاشات من أوقاف ليست لهم. كما شهدت النقابة أكبر حاله تزوير الأنساب من قبل ذرية البكريين. 

 

4. *التبرج والانحلال الأسري*: سمح لبناته، وعلى رأسهن *زينب البكرية*، بالتبرج بزي الإفرنج، ومخالطة الرجال، وخروجهن عن زي بنات المصريين الأشراف، مما أثار غضب العامة والعلماء عليه.

 

5. *المزاد العلني على أثاث البيت*: بعد عزله وسقوطه من أعين السلطة، أمر الوالي العثماني *محمد باشا خسرو* بعمل *مزاد علني على عفش وأثاث بيت البكري* في القاهرة، فبيعت تحفهم ودواوينهم في المزاد العلني، وكانت فضيحة في أوساط القاهرة.

 

وقد جمع المؤرخ *الجبرتي* هذه التجاوزات في عبارة واحدة: *”كانوا يأكلون أموال الأشراف بالباطل”*.

 

*رابعاً: وثيقة تاريخية – استبدال وقف البكرية 1798م*

من وثائق *دار الوثائق القومية المصرية – محفوظات ديوان الأوقاف*، ملف رقم 123/ أوقاف، وثيقة مؤرخة في 15 شوال سنة 1213هـ / مارس 1798م.

 

*نص الوثيقة باختصار:*

> “طلب الشيخ خليل البكري نقيب الأشراف استبدال حكر وقف السادة الأشراف الكائن بحارة برجوان، بقطعة أرض أخرى أقل مساحة وأبعد موقعاً. وقد وافق على ذلك ديوان القاهرة، ونقلت ملكية الحكر الأصلي إلى أحد أمراء المماليك…”

 

*خامساً: النهاية.. القتل والجنون*

كانت نهاية الشيخ خليل البكري عبرة لمن اعتبر:

 

1. *مقتل الابنة*: بعد خروج الفرنسيين سنة 1216هـ، استغل الوالي العثماني *محمد باشا خسرو* عداوته للشيخ خليل، فأمر بقتل ابنته *زينب البكرية*، والتي يذكرها بعض المؤرخين الشعبيين بأنها *”أول مقصوفة رقبة”* في الرواية المصرية المتداولة.

 

2. *الجنون*: تذكر كتب التراجم الشعبية، وروايات أعقاب البكريين، أن الشيخ خليل *أصيب بالجنون* بعد مقتل ابنته وسقوط هيبته. فقد عقله، وأصبح يهيم في شوارع القاهرة، يمزق عمامته، ويقول: “ذهبت النقابة وذهبت الهيبة”. ومات بعدها بزمن يسير.

 

*سادساً: إنهاء الاحتكار على يد محمد علي باشا*

قضى *محمد علي باشا* على هذا الفساد سنة 1805م عبر إجراءين:

1. *عزل البكريين* من النقابة، وإعادتها إلى *السادة الحسينيين*.

 

2. *مصادرة معظم الأوقاف* وضمها إلى “ديوان الأوقاف الأميرية”، فأصبحت الدولة هي المتولية المباشرة لها.

 

ومنذ ذلك التاريخ، فقدت النقابة نفوذها المالي، وانتهى دور البكريين فيها.

 

*سابعاً: تنبيه في الألقاب الشرعية*

جرى عرف *نقابة الأشراف* منذ إعادتها إلى السادة الحسينيين أن *لقب “السيد” أو “الشريف”* يُطلق شرعاً وعرفاً على ذرية الإمام علي وفاطمة الزهراء رضي الله عنهما فقط. 

وعليه، *لا يُطلق هذا اللقب على البكريين الصديقيين أو العمريين العدويين* في دفاتر النقابة الرسمية، لأنهم من الصحابه، وليسوا من آل البيت النبوي.

 

*نص عبد الرحمن الجبرتي عن مزاد الشيخ خليل البكري*  

*من كتاب “عجائب الآثار في التراجم والأخبار”، الجزء الرابع، سنة 1216هـ / 1801م*

 

 *قال الجبرتي:* 

 *”وفيها أمر الباشا محمد باشا خسرو بمصادرة دار الشيخ خليل البكري نقيب الأشراف، لما كان بينهما من النقمة والعداوة. فأخذوا ما فيها من الأثاث والفرش والتحف والكتب والدواوين، وطرحوها في مزاد علني بسوق القاهرة. فبيعت بأبخس الأثمان، وحضرها خلق كثير من العامة والعساكر، وكان يوماً مشهوداً.”*

 

 *”وقال الناس: هذا جزاء من أكل أموال السادة الأشراف آل البيت بالباطل، واستأثر بها دون مستحقيها. وقد رأينا بأعيننا كيف تفرقت نفائس البيت، وباعوا حتى الوسائد والمصاحف.”*

 

 *”فكان ذلك فضيحة له ولبيته، وسقوطاً لهيبته، وانقطع ذكره هو والبكريين من بعدها”*  

> [عجائب الآثار في التراجم والأخبار، طبعة دار الكتب المصرية]

 

*ثلاث استنتاجات من النص:*

 

1. *السبب المباشر*: “النقمة والعداوة” بين الوالي والشيخ خليل، أي أنه إجراء قانوني عقابي.واعادة النقابة إلى أصحابها.

 

2. *طبيعة المزاد*: “علني بسوق القاهرة” وبحضور “العامة والعساكر”، مما يدل على قصد الإذلال العلني.

 

3. *موقف العامة*: ربطوا الواقعة بـ “أكل أموال السادة بالباطل”، وهي العبارة التي كرها الجبرتي في مواضع أخرى.

 

وقد أعقب ذلك مباشرة دخول الشيخ خليل في حالة اضطراب عقلي، حتى صار “يمزق عمامته ويقول: ذهبت النقابة”.

 

*ثامناً: ملاحظتان تاريخيتان*

1. *صور النقباء البكريين*: لا تزال توجد صور فوتوغرافية لبعض نقباء البكريين معلقة في قاعات نقابة الأشراف، وهو ما يثير جدلاً بين بعض أبناء السادة الحسينيين الذين يرون أن المرحلة البكرية مرحلة انحراف عن قانون النقابة الأصلي وأكبر مرحلة تزوير الأنساب.

 

2. *أصل لفظ “البكري”*: هناك رأي تاريخي يذهب إلى أن لفظ “البكري” المنسوب للنقابة قد يكون تحريفاً عن *”ديار بكر”* وهي منطقة تركية، وليس نسبة إلى أبي بكر الصديق . وهو قول ذكره بعض الباحثين للتشكيك في أصل التسمية، إلا أنه غير مجمع عليه.

 

*الخلاصة*: لقد كانت سيطرة البكريين على النقابة ثلاثة قرون *سياسة ممنهجة للاستيلاء على أوقاف الأشراف*. وبدأت بالاحتكار، وتفاقمت بتجاوزات خليل البكري، وانتهت بالقتل والجنون والمزاد العلني، فكانت عبرة في تقلب الزمان…





اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *