من كربلاء إلى هرمز وباب المندب
حين تتحول ذاكرة الإمام الحسين إلى قوة تعيد رسم خرائط الهيمنة.
عدنان عبدالله الجنيد.
لم تكن كربلاء واقعةً انتهت في العاشر من محرم، ولا مأساةً أغلقتها الرمال؛ كانت لحظةً أعادت تعريف العلاقة بين الإنسان والسلطة، وبين القوة والشرعية، وبين الخوف والكرامة. حين رفض الإمام الحسين عليه السلام مبايعة يزيد، رفض أن تتحول القوة إلى مصدر للحق، وأن يصبح الخوف أساساً للطاعة، مؤكداً: «إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي». ومن هنا تحولت كربلاء من حدث تاريخي إلى ذاكرة حية، ومن الذاكرة إلى هوية، ومن الهوية إلى طاقة اجتماعية وسياسية عابرة للحدود.
وفي عصر تتقاطع فيه القوة العسكرية مع الاقتصاد والجغرافيا والإعلام والهوية، تبرز الأربعين بوصفها إحدى أكبر صور القوة الاجتماعية والرمزية؛ فالملايين الذين يتجهون إلى كربلاء لا يحملون السلاح، بل يحملون ذاكرةً وقيمةً وعهداً، ويقدمون نموذجاً استثنائياً للتكافل والخدمة والإيثار. وهنا تبدأ المفارقة: قد تستطيع القوة العسكرية السيطرة على الأرض، لكنها لا تستطيع احتلال الذاكرة أو صناعة الولاء بالقوة.
كربلاء وهرمز.. حين تصبح الجغرافيا ورقة قوة
يكشف مضيق هرمز أن القوة في النظام الدولي لا تُقاس بالسلاح وحده، بل بالقدرة على فرض الكلفة. فالممرات البحرية الاستراتيجية ترتبط بالطاقة والتجارة والتأمين والأسواق، وأي اضطراب فيها يمكن أن ينعكس على حسابات القوى الكبرى.
ومن هنا، فإن الصراع حول هرمز يتجاوز المواجهة العسكرية المباشرة إلى صراع على الردع والسيادة والقدرة على منع الخصم من فرض إرادته. وهذه هي المفارقة السياسية المستلهمة من كربلاء: القوة الحقيقية ليست في امتلاك القدرة على الإخضاع، بل في امتلاك الإرادة التي تمنع الخوف من صناعة القرار.
من كربلاء إلى الثورة الإسلامية
في الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، احتلت عاشوراء وكربلاء موقعاً مركزياً في الخطاب السياسي حول الاستقلال ورفض الاستبداد والتبعية. ومع الجمهورية الإسلامية، انتقلت الرموز الحسينية من المجال الوعظي إلى فضاء الدولة والمجتمع والسياسة.
وفي عهد الإمام علي الخامنئي، استمر التأكيد على الأبعاد الروحية والحضارية والاجتماعية للأربعين، بوصفها مناسبة لتعزيز التواصل بين الشعوب والهوية الإسلامية.
لكن الأهم ليس القول إن كربلاء «صنعت السياسة»، بل فهم الآلية: ذاكرة تنتج هوية، والهوية تنتج تعبئة، والتعبئة تنتج مؤسسات ومواقف وسياسات. وهنا تصبح الأربعين جزءاً من فضاء حضاري يتجاوز الحدود.
باب المندب والبحر الأحمر.. الجغرافيا تكتشف قوتها
أعادت التطورات البحرية منذ أواخر عام 2023 تعريف باب المندب والبحر الأحمر في الحسابات الدولية. فقد أدت الهجمات المرتبطة بالحرب على غزة إلى ارتفاع مخاطر الملاحة، ودفع شركات شحن إلى تغيير مساراتها في فترات مختلفة، بما زاد الزمن والتكاليف والتأمين.
وهنا ظهر درس استراتيجي بالغ الأهمية: الطرف الذي يستطيع التأثير في نقطة اختناق جغرافية قد يمتلك قدرة على فرض كلفة تتجاوز حجمه الاقتصادي والعسكري.
لم يعد البحر مجرد طريق للتجارة؛ أصبح جزءاً من معادلة الردع. وأثبتت التطورات أن التفوق البحري لا يلغي الجغرافيا، وأن امتلاك الأساطيل لا يعني امتلاك القدرة المطلقة على التحكم بكل الممرات.
بغداد والجنوب اللبناني.. من الذاكرة إلى وحدة الساحات
في العراق والجنوب اللبناني، حضرت كربلاء وعاشوراء في خطاب قوى وحركات ترى في الحسين رمزاً للتضحية ورفض الاحتلال والهيمنة. ومع اختلاف الظروف والسياقات بين العراق ولبنان واليمن وفلسطين، نشأ في الخطاب الإقليمي مفهوم «وحدة الساحات»، الذي ينظر إلى الصراعات باعتبارها مترابطة ضمن بيئة استراتيجية واحدة.
وهنا لا تكفي القراءة العقائدية وحدها؛ فهناك أيضاً الجغرافيا، والأمن، والتجارب التاريخية، والتحالفات، والبيئات الاجتماعية. لكن كربلاء توفر لغة رمزية مشتركة قادرة على عبور الحدود، وتحويل الذاكرة إلى عنصر من عناصر الهوية السياسية.
غزة.. حين يصبح الصمود سؤالاً عن معنى القوة
وضعت غزة النظام الدولي أمام سؤال بالغ التعقيد: هل يستطيع التفوق العسكري وحده إخضاع مجتمع متمسك بهويته وقضيته؟
لا يمكن تفسير الصمود بعامل واحد؛ فهناك الهوية الوطنية، والبنية الاجتماعية، والتجربة التاريخية، والدين، والقدرة على التكيف. لكن حضور كربلاء يمنح هذا الصمود لغةً أخلاقية تستحضر التضحية والثبات ورفض الاستسلام.
ولهذا حضرت غزة بقوة في فضاء الأربعين، وأصبحت فلسطين جزءاً من الخطاب الشعبي المتضامن مع المظلومين. وعندما تُوصف غزة بأنها «كربلاء العصر»، فإن المقصود ليس نسخ التاريخ، بل استحضار السؤال نفسه: هل يستطيع السلاح أن يمحو قضيةً من الوعي؟
الأربعين.. معركة الرواية أيضاً
في عصر الصورة والمنصات الرقمية، لم تعد القوة مرتبطة بالأرض وحدها؛ إنها مرتبطة أيضاً بمن يملك القدرة على رواية الحدث.
والأربعين، بملايين المشاركين فيها، تنتج صورةً جماهيرية من داخل المجتمع نفسه، وتمنح المشاركين قدرة على صناعة شهاداتهم وصورهم وروايتهم. إنها بذلك تمثل شكلاً من السيادة على الرواية، حيث يصبح من الصعب احتكار تعريف المجتمع من الخارج.
ثمرة الحسين.. صناعة المستقبل
ثمرة الحسين في هذا العصر لا تختزل في شعار سياسي أو مواجهة عسكرية، بل في إعادة بناء الإنسان الذي يرفض أن يمنح الظلم شرعية الخضوع.
ومن هنا تتقاطع كربلاء مع الأربعين، والهوية مع السياسة، والجغرافيا مع الاقتصاد، والبحر مع الردع، والإعلام مع السيادة. فهرمز وباب المندب يكشفان حدود القوة الجغرافية المطلقة، وغزة تكشف حدود التفوق العسكري في إخضاع الإرادة، والأربعين تكشف قوة الذاكرة حين تتحول إلى مجتمع متحرك.
لقد ظنت الإمبراطوريات أن القوة هي القدرة على إخضاع الآخرين، فجاءت كربلاء لتقول إن القوة تبدأ حين يرفض الإنسان أن يمنح الظلم شرعيته. واليوم، لا يتمثل التحدي الأكبر في معرفة من يملك السلاح الأقوى، بل في معرفة من يستطيع تحويل إرادته وموارده وجغرافيته وهويته إلى معادلة لا يستطيع الآخر تجاهلها.
وهنا لا تنتهي الأربعين؛ بل تبدأ رسالتها الجديدة: أن تتحول الكرامة من ذكرى إلى وعي، والوعي إلى مسؤولية، والمسؤولية إلى بناء، حتى لا تبقى الشعوب مجرد موضوع في خرائط القوى الكبرى، بل تصبح شريكاً في رسم مستقبلها.
فكربلاء لم تغيّر الماضي فقط؛ إنها ما زالت تعيد تعريف معنى القوة في الحاضر، وتفتح سؤال المستقبل: من يملك إرادته، يملك جزءاً من خريطته.

