الحلقة 40 من شهداء الواجب.. قصة الشهيد الرائد عمرو وهيب محمد بطل الصاعقة
الرئيسية » الحلقة 40 من كتاب «شهداء الواجب في حرب مصر ضد الإرهاب» الشهيد البطل الرائد عمرو وهيب محمد
publicمقالات

الحلقة 40 من كتاب «شهداء الواجب في حرب مصر ضد الإرهاب» الشهيد البطل الرائد عمرو وهيب محمد

كتب المقال بواسطة أ/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

الحلقة 40 من كتاب «شهداء الواجب في حرب مصر ضد الإرهاب»

الشهيد البطل الرائد عمرو وهيب محمد

 

توثيق: د. أحمد علي عطية الله

 

قال تعالى:

 

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَنْ يَنْتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾

 

صدق الله العظيم

 

من أجل مصر.. حكاية رجل اختار طريق الواجب

 

من أجل مصر، وكرامة مصر، وشرف مصر، ومن أجل كل حبة رمل في أرضها، يضحي المخلصون من أبنائها بكل ما يملكون،

ويقدمون أرواحهم في سبيل أداء واجبهم، بإيمان راسخ بأن الوطن يستحق التضحية.

 

وبطل هذه الحلقة واحد من هؤلاء الرجال؛ الشهيد البطل الرائد عمرو وهيب محمد، أحد أبناء القوات المسلحة

الذين ارتبطت سيرتهم بالواجب والانضباط وحب الوطن.

 

مكالمة لم تنسها زوجة الشهيد

 

تروي زوجة الشهيد موقفًا وقع قبل استشهاده بنحو شهر، عندما كانت برفقة عمرو داخل السيارة، وفجأة رن هاتفه.

 

كان المتصل هو وزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة آنذاك، المشير صدقي صبحي، الذي اطمأن عليه وأشاد بما يقوم به من مهام في سيناء.

 

ثم طلب الحديث مع زوجته، وقال لها، بحسب روايتها:

 

«إزيك يا زوجة البطل؟ إنتِ زوجة بطل من أبطال الصاعقة.. ورا كل رجل عظيم امرأة».

 

وتضيف زوجة الشهيد أن المكالمة تركت أثرًا كبيرًا في نفسها، خاصة بعدما سألها عن أبنائهما، وتمنى أن يكونوا أبطالًا مثل والدهم.

 

ثم عاد للحديث مع عمرو، مؤكدًا تقديره لشجاعته وما يقوم به من مهام في سيناء.

 

وبحسب رواية الأسرة، لم يكن عمرو يعلم وقتها لماذا حظي بهذا التقدير،

لكن زوجته عرفت لاحقًا تفاصيل إحدى المهام التي شارك فيها قبل حصوله على إجازته.

 

مهمة في موقع شديد الخطورة

 

كان عمرو يشارك في تنفيذ مداهمات ومهام أمنية في سيناء،

ومن بين المهام التي ترويها زوجته خروجه إلى موقع شديد الخطورة كان يُعتقد أنه من أوكار العناصر التكفيرية.

 

وبحسب الرواية، تولى عمرو قيادة المداهمة، برفقة صف ضابط وملازم، وتمكن أفراد القوة من تنفيذ المهمة والعودة دون إصابات في صفوفهم.

 

وتقول زوجته إن تلك الواقعة جعلتها أكثر إدراكًا لطبيعة المهام التي كان يؤديها زوجها، وأكثر فخرًا به وبما كان يقوم به من أجل وطنه.

 

من الإسماعيلية إلى الصاعقة

 

وُلد عمرو وهيب محمد في 16 نوفمبر 1986 بمدينة الإسماعيلية.

 

التحق بمدرسة 24 أكتوبر التجريبية منذ مرحلة رياض الأطفال وحتى الثانوية العامة، ثم التحق بالكلية الحربية عام 2006،

وتخرج ضمن الدفعة 102 حربية عام 2008، بسلاح المشاة، قبل أن يلتحق بسلاح الصاعقة.

 

وخدم في إنشاص ثم الأقصر، قبل أن ينتقل إلى سيناء ضمن إحدى كتائب الصاعقة في رفح.

 

كما عمل معلمًا لفرقة الصاعقة للصف الثالث بالكلية الحربية خلال إحدى مراحل خدمته، ثم عاد مرة أخرى إلى سيناء.

 

طفل يحلم بالكلية العسكرية

 

تصف أسرته عمرو منذ طفولته بأنه كان طفلًا مطيعًا وخلوقًا، وكان يحلم منذ الصغر بالالتحاق بإحدى الكليات العسكرية، بدافع حبه لبلده ورغبته في خدمتها.

 

وكان شديد الارتباط بوالدته، باعتباره أصغر أبنائها، وظلت رغبته في الالتحاق بالمؤسسة العسكرية ترافقه حتى تحققت.

 

وبعد تخرجه من الكلية الحربية، تزوج ورزقه الله بثلاثة أبناء: ملك، وجودي، وياسين.

 

وكان، بحسب رواية زوجته، أبًا حنونًا، يحرص خلال إجازاته على قضاء الوقت مع أبنائه واللعب معهم.

 

وكانت ابنته الكبرى ملك قريبة منه بصورة خاصة، وكان يصطحبها معه إلى صالة الألعاب الرياضية،

في مشهد يعكس جانبًا آخر من شخصية الضابط الذي عرفته أسرته بعيدًا عن أجواء العمل والمهام العسكرية.

 

زوج وأب يحلم بالشهادة

 

تروي زوجته أنه كان زوجًا حنونًا، يساعدها في شؤون الحياة، ويحرص دائمًا على الاطمئنان عليها.

 

وكان يتحدث كثيرًا عن الشهادة، ويقول لها:

 

«يارب أموت شهيد».

 

وعندما كانت تشعر بالخوف أو الحزن، كان يحاول طمأنتها، ويقول لها:

 

«متخافيش ولا تزعلي.. هاخدك معايا الجنة».

 

وكان يمازح ابنه ياسين قائلًا إنه سيجعله ضابط صاعقة مثله، وأنه سيخدم في سيناء.

 

«لآخر نفس هحافظ على البلد»

 

كان حب الوطن حاضرًا بقوة في حديث عمرو، وتروي أسرته أنه كان دائمًا يقول:

 

«أنا لآخر نفس هحافظ على البلد، لو هدفع قصادها حياتي».

 

كما عُرف عنه، وفق روايات أسرته وزملائه، الابتسامة وحسن التعامل ومساعدة الآخرين.

 

وكان يؤمن بأهمية الصدقة ومساعدة المحتاج، ويقول:

 

«الصدقات دي اللي هتقعد لنا في الآخرة».

 

وتصفه أسرته بأنه كان طيب القلب، قريبًا من أصدقائه، حريصًا على مساعدة من يحتاج إليه.

 

علاقته بالجنود.. القائد الذي لم يهِن جنديًا

 

لم تقتصر علاقته الطيبة على أسرته وأصدقائه، بل امتدت إلى الجنود الذين كانوا يعملون معه.

 

وبحسب روايات زملائه، كان يتعامل مع الجنود باعتبارهم مسؤولية في عنقه، وكان شديد الحرص على سلامتهم.

 

وكان يقول:

 

«الجنود دول مسؤوليتي ومثلهم مثلي.. بيخدموا في الجيش، ولو ما أخدتش بالي منهم يبقى ماليش لازمة».

 

وتروي شهادات زملائه أنه لم يكن يوجه الإهانة لجنوده، وكان يتعامل معهم بالحزم حين تقتضي المسؤولية، لكن في إطار من الاحترام والاهتمام.

 

كما عُرف عنه الإيثار، وكان يفضل زملاءه وأصدقاءه في القوات المسلحة ويسعى لمساعدتهم، حتى عندما يأتي ذلك على حساب راحته الشخصية.

 

علاقته بقائد الكتيبة وزملائه

 

تلخص روايات زملائه شخصية عمرو داخل الكتيبة في جانبين أساسيين:

علاقته بقائد الكتيبة المقدم شاهد، الذي كان يثق به ويقدره، وعلاقته المميزة بالجنود.

 

وكان عمرو يكن احترامًا كبيرًا لقائده، وفي الوقت نفسه كان حريصًا على رجاله، يخشى عليهم من التعرض للأذى، ويضع سلامتهم ضمن أولوياته.

 

ليلة ما قبل الاستشهاد

 

تروي الرواية التوثيقية أن الليلة السابقة لاستشهاده كانت مختلفة بالنسبة لعمرو.

 

ففي غرفة المبيت داخل المعسكر، وبعد أن أقام الليل، جلس يستمع إلى القرآن الكريم، بينما شعر بحالة من القلق لم يعتدها من قبل.

 

وخلال تلك اللحظات، دخل عليه قائده المقدم شاهد، قائد كتيبة الصاعقة في رفح، ليبلغه بأنه سيشارك معهم في المداهمة التالية.

 

وتشير الرواية إلى أن القائد تردد في إشراكه بسبب ما بدا عليه من إرهاق، إلا أن إصرار عمرو دفعه إلى الموافقة على مشاركته.

 

بعد ذلك توجه عمرو إلى أحد أفضل جنوده، الشهيد بكر، وأبلغه بأنهما سيخرجان في مهمة، وطلب منه تجهيز مستلزمات المبيت خارج المعسكر.

 

الدعاء قبل المهمة

 

مع بدء التحرك، وقف الضابط عزام بين الرجال قبل الانطلاق، وتُلي الدعاء المعتاد قبل المهمة:

 

«اللهم إنا نحتسب هذا العمل عندك، فاجعله اللهم لي في ميزان حسناتي، وأشهد أن لا إله إلا الله، كلمة عليها نحيا وعليها نموت، وبها نجاهد في سبيل الله وعليها نلقى الله».

 

ثم تحركت القوات لتنفيذ المهمة.

 

المهمة الأخيرة

 

وصلت القوات إلى منطقة قريبة من قرية المهدية، وكانت الخطة تقضي بانقسام القوة إلى مجموعتين.

 

تولت القوة الرئيسية، بقيادة المقدم شاهد، تنفيذ المداهمة،

بينما تحركت قوة أخرى بقيادة النقيب عمرو وهيب إلى نقطة بالقرب من كمين المهدية،

على أن تنتظر اتصال القوة الرئيسية للتحرك والالتحام بها عند الحاجة.

 

وتمركزت القوة الرئيسية في أحد المواقع، مع اتخاذ إجراءات التمويه والتخفي في المنطقة المحيطة، انتظارًا لرصد الهدف.

 

وبحسب الرواية، لم يمض وقت طويل حتى سمع المقدم شاهد صوت دراجة بخارية بالقرب من موقع القوة، فأصدر توجيهًا للضابط عزام بتفقد الأمر.

 

وبالفعل، تم رصد عنصرين مسلحين يستقلان دراجة بخارية.

 

وهنا بدأت تفاصيل المهمة الأخيرة للشهيد البطل عمرو وهيب محمد،

وهي التفاصيل التي تستكمل رواية استشهاده في رفح يوم 23 نوفمبر 2015.

 

يوم الرحيل

 

استشهد البطل عمرو وهيب محمد في رفح بتاريخ 23 نوفمبر 2015، على طريق قرية المهدية جنوب رفح، إثر استهداف العربة الهامر التي كان يستقلها بعبوة ناسفة.

 

رحل عمرو عن أسرته وأبنائه، لكنه ترك وراءه سيرة يتناقلها أهله وزملاؤه، وذكريات أبٍ وزوجٍ وقائدٍ وإنسان، قبل أن يكون ضابطًا في صفوف القوات المسلحة.

 

رحم الله الشهيد البطل الرائد عمرو وهيب محمد، ورحم جميع شهداء الوطن، وحفظ مصر وأهلها.

 

عن سلسلة «شهداء الواجب في حرب مصر ضد الإرهاب»

 

تأتي هذه الحلقة ضمن سلسلة توثيقية تسعى إلى تسجيل سير الشهداء وقصصهم الإنسانية، وإلقاء الضوء على حياتهم وأسرهم ومواقفهم،

حتى لا تختزل سيرتهم في لحظة الاستشهاد وحدها، بل تبقى حكاياتهم الإنسانية جزءًا من الذاكرة الوطنية.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *