«أبناء الأرض».. عرض عراقي يحوّل الجسد إلى لغة لمقاومة القمع في مهرجان الزرقاء المسرحي
كتب: وائل عباس
تقرير: الإعلامية نجود ذكرالله
ضمن فعاليات مهرجان صيف الزرقاء المسرحي العربي في دورته الرابعة والعشرين، قدمت الفرقة العراقية عرضها المسرحي «أبناء الأرض»،
في تجربة فنية اعتمدت على الجسد والحركة باعتبارهما لغة أساسية للتعبير عن القمع والتهميش والبحث عن الخلاص.
العرض من إعداد وإخراج عبدالله أحمد، ويستند إلى نص الكاتب المسرحي صموئيل بيكيت «ماذا، أين؟»،
إلا أن الرؤية الإخراجية انحازت إلى إعادة قراءة النص من خلال تجاوز هيمنة الكلمة، والانتقال إلى لغة بصرية وحركية أكثر كثافة.
عندما يصبح الجسد لغة للمقاومة
ينزاح العرض عن البناء الأصلي لنص بيكيت، ليحوّل المساءلة الكلامية والتكرار العبثي إلى استجواب حركي وبصري، تتحدث خلاله الأجساد بدلًا من الكلمات.
ومن خلال الحركة والإيقاع والتكوينات المسرحية، يعبر العرض عن معاناة شخصيات تبحث عن الخلاص، في مواجهة واقع يفرض عليها الخوف والقمع والتهميش.
وهنا لا يصبح الجسد مجرد أداة للأداء، وإنما يتحول إلى مساحة للاحتجاج والتعبير عن الوجود، في محاولة لاستعادة الصوت حين تعجز الكلمات عن قول ما يكفي.
خمسة نماذج إنسانية في مواجهة التهميش
برزت القوة التعبيرية للعرض من خلال رمزية الأجساد التي جسدت خمس مجموعات إنسانية تعرضت،
وفق الرؤية الدرامية للعمل، لأشكال من التهميش والاضطهاد عبر التاريخ، وهي: الهنود الحمر، والسود، والغجر، والأكراد، والفلسطينيون.
ومن خلال هذه الرموز، يطرح «أبناء الأرض» أسئلة حول الإنسان، والهوية، والاضطهاد،
والحق في الوجود، مستخدمًا الحركة بدلًا من الخطاب المباشر.
سينوغرافيا متكاملة وحركة تصنع المعنى
اعتمد العرض على سينوغرافيا متكاملة تداخلت فيها التشكيلات الحركية مع الإضاءة، في بناء بصري ساهم في تصعيد الحالة الدرامية.
وجاء تصميم الإضاءة لـعلي زهير المطيري متناغمًا مع حركة الممثلين،
بينما تولى حسن عامر تنفيذ المؤثرات الموسيقية، التي تنوعت بين مقطوعة «مسار» للثلاثي جبران وأغنية «Goodbye».
وساهمت الموسيقى في الانتقال التدريجي بالحركة من أجواء الخوف والقمع إلى حالة أكثر تحررًا،
وصولًا إلى رقص جماعي درامي يتفجر بالحركة ويؤكد حضور الإنسان وإصراره على إثبات وجوده.
«أبناء الأرض».. من الصمت إلى تأكيد الوجود
قدم العرض العراقي تجربة مسرحية جعلت من الجسد مركزًا للغة المسرحية، ومن الحركة وسيلة لإعادة طرح أسئلة القمع والهوية والخلاص.
وبين صمت الكلمة وصخب الجسد، استطاع «أبناء الأرض» أن يقدم قراءة بصرية وحركية لنص بيكيت،
وأن يضع الجمهور أمام تجربة تتجاوز حدود الحكاية لتطرح سؤالًا أوسع:
كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على وجوده حين يُحاصر بالخوف والقمع؟

