ليس كل من اقترب منك أحبك ولا كل من جاورك كان لك فالقرب ليس امتدادا للمسافة بل امتحان للجوهر ، قد يسكنك إنسان في تفاصيل يومك حتى
حتى تحسبه جزءا من كيانك ثم يتراجع أول المنسحبين حين يتطلب الموقف موقفا لا مجاملة،
فالأقربون ليسوا دائما حلفاء والبعد أحيانا أكثر أمانا من جوار زائف.
وليست الكلمات الجميلة دليلا على النية ولا البلاغة شهادة أخلاق ، فكم من خطاب منمق كان ستارا للغدر وكم من ثناء مبالغ فيه كان تمهيدا للخذلان ،
اللغة حين تنفصل عن القيم تتحول إلى أداة تضليل لا وسيلة تواصل وتغدو الكلمة الناعمة أخطر من الطعنة الصريحة.
ولا كل ابتسامة علامة صفاء فبعض الوجوه تتقن فن التمويه ، ابتسامات محسوبة تؤدى ببرود احترافي لتأمين المصالح أو لتخدير الحذر ،
قد يضحك معك من يراقب سقوطك وقد يربت عليك من يقيس المسافة إلى ظهرك. فالابتسامة لا تعني شيئا حين لا يساندها ضمير.
القريب المقصود هنا ليس قريب الدم بل قريب النفاذ، من يعرف أسرارك ويقف على حدودك ويجالس ضعفك ويشاركك المساحة الخاصة وهذا النوع من القرب أخطر أشكال التهديد لأنه يأتي بلا إعلان فالعداوة المعلنة شرف نسبي أما الخيانة الصامتة فهي انحطاط كامل.
الفلسفة لا تنخدع بالمظاهر وتعلمنا أن الأخلاق لا تختبر في الرخاء بل في لحظة التعارض ، من كان صادقا لا يكثر من الخطاب بل يلتزم بالفعل ولا يرفع صوته بالقيم بل يدفع ثمنها فالثبات حين تتعارض المصالح هو المعيار الوحيد للصدق.
إن أقسى الخيبات لا تأتي من خصم بل من قريب استثمرت فيه الثقة حتى آخرها لأن الخصم مفهوم أما القريب الزائف فيربك البوصلة ويزرع الشك في حدسك حتى تبدأ بمحاكمة نفسك بدلا من محاسبة الخداع.
ولهذا فالحكمة ليست في الارتياب بالجميع بل في امتلاك بصر أخلاقي حاد ، أن تفتح قلبك دون أن تلغي وعيك وأن تمنح القرب بقدر الاستحقاق لا بقدر العاطفة فليس كل من اقترب أهل للدخول وليس كل من أحسن القول حسن القصد.
وختاماً.. القرب الحقيقي ليس دفئا لغويا ولا حضورا شكليا بل التزام صامت بعدم الأذى وصدق مكلف لا يساوم وما عدا ذلك فمجرد وجوه مصقولة بلا مرايا لا ترى نفسها ولا تعكس إلا ما تريدك أن تصدقه.