الرئيسيةمقالاتالنظام الاجتماعي القائم على المسجد في بنغلاديش: نموذج فريد ومتميز
مقالات

النظام الاجتماعي القائم على المسجد في بنغلاديش: نموذج فريد ومتميز

النظام الاجتماعي القائم على المسجد في بنغلاديش: نموذج فريد ومتميز

بقلم: أحمد شوقي عفيفي

داعية إسلامي وكاتب بنغلاديشي

 

تعد بنغلاديش بلدا نهريا مكتظا بالسكان، تنبض أعماقه بإحساس ديني عميق، حيث لا ينحصر نمط حياة المسلمين فيه ضمن حدود الإيمان الفردي، بل يتجاوز ذلك ليغدو نسيجا متكاملا يتشابك فيه البعد الاجتماعي والثقافي والأخلاقي. وفي صميم هذا النسيج تتبوأ المساجد مكانة محورية، لا بوصفها مواضع لأداء الشعائر فحسب، بل باعتبارها القلب النابض لمنظومة اجتماعية متكاملة. ومن القرى الوادعة إلى المدن الصاخبة، يتجلى هذا النظام القائم على المسجد في صورة فريدة، يجمع بين إشعاع الروحانية الإسلامية، وفاعلية التنظيم الاجتماعي في نموذج متمايز بخصوصيته وثرائه.

 

ولقد كانت المساجد في صدر الإسلام مؤسسات جامعة، تنهض بأدوار متعددة تتجاوز حدود العبادة إلى ميادين التعليم والقضاء والقيادة الاجتماعية، بل وإدارة الشأن العام. وقد مثل المسجد النبوي، الذي أسسه النبي محمد صلى الله عليه وسلم أنموذجا حيا لمجتمع تتآلف فيه شؤون الدين والدنيا دون انفصال. ويجد هذا النموذج صداه في الواقع البنغلاديشي، وإن في سياق مغاير، إذ أضحت المساجد جزءا أصيلا من تفاصيل الحياة اليومية، وعنصرا فاعلا في تشكيل البنية الاجتماعية.

 

وقد انتشر الإسلام في ربوع بنغلاديش على أيدي الصالحين من المتصوفة، ونخبة من التجار، ومن خلال جهود الحكام المسلمين، الذين نظروا إلى بناء المساجد لا باعتباره واجبا تعبديا فحسب، بل وسيلة راسخة لإرساء دعائم المجتمع. فكانت المساجد في كل ناحية بمثابة مراكز إشعاع حية، يلتقي فيها الناس، وتتوطد من خلالها أواصر العلاقات، وتطرح فيها القضايا، وتبتغى عبرها حلول المشكلات. ومع تعاقب الأزمنة، ترسخ هذا الدور وتعاظم حتى غدا اليوم جزءا لا ينفصل عن كيان المجتمع البنغلاديشي، ومعلم من معالم هويته الحضارية.

يجسد البعد الروحي في المجتمع البنغلاديشي أحد اسمى ملامح النظام الاجتماعي القائم على المسجد، إذ تتجدد في رحابه معاني التقوى، وتنبعث في النفوس أنوار الخشية من الله، عبر الصلوات الخمس، وخطب الجمعة، وقيام رمضان، وتلاوة القرآن الكريم، وسائر المجالس الإيمانية. ولا تقف هذه الممارسات عند حدود التعبد الظاهري، بل تتغلغل في أعماق الإنسان، فتصقل روحه، وتزكي سلوكه، وتوجهه نحو حياة قوامها الاستقامة والنقاء. فالمواظب على ارتياد المسجد لا يعيش عبادة معزولة عن واقعه، بل ينخرط في منظومة أخلاقية واجتماعية متكاملة تشده إلى الفضيلة، وتباعد بينه وبين مسالك الانحراف.

 

ويغدو المسجد في هذا السياق مدرسة أخلاقية رفيعة، تصاغ في أفيائها ملامح الشخصية المسلمة، وتترسخ في وجدان المجتمع قيم الصدق والعدل، والتسامح والمسؤولية، والاحترام المتبادل. وتبرز هذه الوظيفة بجلاء في البيئات الريفية، حيث يتجاوز دور الأئمة والخطباء حدود الإمامة والخطابة ليغدوا مرجعية أخلاقية واجتماعية، يهتدى بها في معالجة القضايا، وتسوية النزاعات. فكثيرا ما تحتوي الخلافات الأسرية، وتعالج النزاعات الاجتماعية، وتسوى الإشكالات المرتبطة بالحقوق والممتلكات في رحاب المسجد في مشهد يعكس حضور الضمير الديني في تنظيم الحياة العامة، ويرسخ حالة من الاستقرار والانضباط الذاتي في بنية المجتمع.

ولا يقف إشعاع المسجد عند حدود التهذيب الروحي والتوجيه الأخلاقي، بل يمتد ليشمل ميادين العلم والمعرفة، حيث ينهض بدور محوري في تنشئة الأجيال وبناء الوعي. ففي غالب القرى البنغلاديشية، يرتبط بالمسجد مكتب قرآني، يتلقى فيه الأطفال مبادئ التلاوة، وأسس اللغة العربية، وقواعد العقيدة، وقيم السلوك القويم، فتتكون بذلك اللبنات الأولى لشخصياتهم الإيمانية. وإلى جانب ذلك، تحتضن المساجد حلقات العلم، ومجالس الدرس، التي تبصر العامة بمعاني القرآن والسنة، وتفتح أمامهم آفاق الفهم والتدبر. وهكذا يغدو المسجد منارة علمية متجددة تغذي العقول كما تزكي الأرواح، وتسهم في بناء مجتمع واع، متماسك، راسخ في قيمه ومبادئه.

 

يشكل ترسيخ التماسك الاجتماعي أحد ابرز الابعاد التي يتجلى فيها الدور الحيوي للمسجد في المجتمع البنغلاديشي، اذ تتجسد في صفوف الصلاة معاني الوحدة والانصهار الانساني في ابهى صورها. فعندما يقف الناس متراصين في صف واحد، تتلاشى الفوارق المصطنعة، وتذوب الحواجز الطبقية، فلا يبقى مجال لتمييز بين غني وفقير، أو متعلم وغير متعلم، أو اختلاف في الحرف والمواقع. وفي هذا المشهد التعبدي الجماعي، تنبعث روح الأخوة الصادقة، وتترسخ في القلوب قيم الاحترام المتبادل والتعاون، وهي الركائز التي يقوم عليها بناء المجتمع المتوازن. وتبلغ هذه المعاني ذروتها في صلاة الجمعة وجموع العيد، حيث تتوحد القلوب وتلتقي الجموع في صورة جامعة، تعكس هوية جماعية متماسكة، يتعانق فيها الفردي بالجماعي في اطار من الانتماء المشترك.

ولا يقف اشعاع المسجد عند حدود بناء هذه اللحمة المعنوية، بل يمتد ليضطلع بدور إنساني واجتماعي بالغ الأثر، إذ يغدو مركزا فاعلا لخدمة المجتمع، ومؤسسة موثوقة لترسيخ معاني التكافل. فمن خلاله تجمع الزكوات والصدقات وزكاة الفطر، وتوزع على مستحقيها في نظام يعكس روح العدالة الاجتماعية. كما تنهض لجان المساجد بدور ملموس في تلبية احتياجات الأسر المعوزة، والتخفيف من وطأة الفقر والمعاناة. وعند اشتداد الأزمات، كالكوارث الطبيعية من فيضانات وأعاصير، يتحول المسجد إلى محور حيوي لتنظيم جهود الإغاثة، وتنسيق عمليات الدعم والعون. وإلى جانب ذلك، يظل المسجد ملاذا إنسانيا لمد يد العون إلى المرضى، ورعاية الأيتام، ومواساة المحتاجين في مشهد تتجلى فيه قيم الرحمة والتضامن في أسمى معانيها، بما يسهم في ترسيخ مجتمع متراحم، متكافل، متماسك البنيان.

 

تتجلى الفوارق بين الريف والحضر في بنغلاديش في طبيعة الدور الذي يضطلع به المسجد، تبعا لاختلاف إيقاع الحياة وأنماط التفاعل الاجتماعي. ففي الريف، ينهض المسجد بوظيفة المركز الاجتماعي الشامل، حيث تتقاطع فيه مسارات الحياة اليومية، ويلتقي الناس في رحابه على نحو دائم، فتتشكل من خلاله شبكة من العلاقات الإنسانية المتينة، وتدار في ساحاته مختلف الأنشطة الاجتماعية، فيغدو قلبا نابضا بالجماعة وروحا حية للمجتمع. أما في المدن، حيث تتسارع وتيرة الحياة وتغلب النزعة الفردية بفعل التحضر، فإن حضور المسجد في المجال الاجتماعي يبدو أكثر تحديدا، غير أن المساجد الكبرى تظل محتفظة بدورها المؤثر، من خلال ما تحتضنه من دروس علمية، وندوات فكرية، ومبادرات مجتمعية، وأنشطة خيرية، ترفد الحياة الحضرية ببعدها القيمي، وتمنحها توازنا أخلاقيا وإنسانيا.

ومع انخراط العالم في فضاء التقنية المتسارع، لم تبق مساجد بنغلاديش بمنأى عن هذا التحول، بل سعت إلى مواكبته بروح واعية، مستثمرة أدوات العصر في توسيع نطاق رسالتها. فباتت الخطب تبث عبر المنصات الرقمية، وتعقد الدروس المباشرة في الفضاء الافتراضي، وتوظف وسائل التواصل الاجتماعي في نشر الوعي والقيم الإسلامية، بما أتاح للمسجد أن يتجاوز حدوده المكانية، وينفتح على آفاق أوسع تتجاوز الإطار المحلي إلى رحابة العالم. وفي خضم هذا التحول، يبرز الشباب بوصفهم القوة المحركة لهذا التجديد، إذ يشاركون بفاعلية في الأنشطة المرتبطة بالمسجد من العمل التطوعي، وتنظيم موائد الإفطار، وتقديم العون التعليمي، والإسهام في المبادرات الاجتماعية، الأمر الذي يعزز دينامية هذا النموذج، ويمده بعوامل الاستمرارية والتجدد في مواجهة تحديات المستقبل.

غير أن هذا النموذج على ما ينطوي عليه من عناصر القوة والتميز، لا يخلو من تحديات تعترض مسيرته وتحد من فاعليته. إذ يلاحظ في عدد من المساجد غياب الإدارة الرشيدة والتنظيم المحكم، مما يؤدي إلى تعطيل كثير من المبادرات الواعدة، ويحول دون استثمار الإمكانات الكامنة فيها. كما أن تسرب بعض التأثيرات السياسية إلى فضاء المسجد يهدد حياده، ويضعف رسالته الجامعة، بل قد يسهم في إذكاء بعض مظاهر الانقسام داخل المجتمع. يضاف إلى ذلك أن التكامل بين الأنشطة المسجدية ومتطلبات العصر من تعليم حديث وتنمية للمهارات، لا يزال دون المستوى المنشود، الأمر الذي يستدعي رؤية واعية، وتخطيطا استراتيجيا محكما، وقيادات مؤهلة قادرة على استيعاب التحولات وصياغة المبادرات الفاعلة.

 

وعلى الرغم من هذه التحديات، فإن الآفاق التي يفتحها هذا النموذج تظل واسعة وواعدة، إذ يمكن للمسجد، إذا ما أحسن توظيفه، أن يتحول إلى رافعة حقيقية للتنمية الشاملة. فحين يتكامل التعليم الديني مع المعارف الحديثة، وتضاف إلى وظائف المسجد أدوار في مجالات الصحة، والتوعية المجتمعية، وتنمية المهارات، يصبح قادرا على الإسهام في بناء إنسان متوازن يجمع بين الإيمان والمعرفة، وبين القيم والفاعلية. وعندئذ يغدو المسجد أكثر من مجرد فضاء تعبدي، ليصبح مؤسسة إنسانية حية تسهم في صناعة المجتمع، وتوجيه مساراته نحو الرقي والاستقرار.

 

وفي الأفق الدولي تبرز تجربة بنغلاديش بوصفها نموذجا جديرا بالتأمل، إذ تقدم تصورا عمليا لدور المسجد بوصفه مؤسسة اجتماعية متكاملة، تتجاوز حدود العبادة إلى فضاءات أرحب من التأثير. ففي الوقت الذي لا تزال فيه المساجد في كثير من البلدان محصورة في نطاقها التقليدي، نرى في بنغلاديش تجربة مختلفة، حيث ينبض المسجد بالحياة، ويؤدي وظائف متعددة تمس مختلف جوانب الوجود الإنساني. وهذه التجربة تمثل مصدر إلهام للمجتمعات التي تسعى إلى تعزيز تماسكها، وإحياء قيمها، وبناء نموذج حضاري متوازن.

وخلاصة القول، إن النظام الاجتماعي القائم على المسجد في بنغلاديش يجسد نموذجا فريدا يجمع بين أصالة المرجعية وفاعلية التطبيق، ويترك بصماته العميقة في الحياة الدينية والاجتماعية والإنسانية. فهو ليس مجرد امتداد لتاريخ مضى، بل هو مشروع حي قابل للتجدد والتطور، يحمل في طياته إمكانات كبيرة لمستقبل أكثر توازنا واستقرارا. وإذا ما اقترن هذا النموذج بالتخطيط السليم، والإدارة الواعية، والانفتاح المدروس على معطيات العصر، فإن بنغلاديش مرشحة لأن تقدم للعالم أنموذجا رائدا لمجتمع تتكامل فيه العبادة مع البناء الإنساني، ويغدو فيه المسجد قلبا نابضا لحضارة تقوم على القيم والوعي والتكافل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *