الرئيسيةمقالاتتأثير الشيخ ابن باز في بنغلاديش
مقالات

تأثير الشيخ ابن باز في بنغلاديش

تأثير الشيخ ابن باز في بنغلاديش

بقلم: أحمد شوقي عفيفي

داعية إسلامي وكاتب بنغلاديشي

 

في سجل الفكر الإسلامي عبر العصور تتجلى أسماء علماء تجاوز إشعاعهم حدود الجغرافيا، وانفلت أثرهم من قيود الزمان حتى غدا حضورهم ممتدا في وجدان الأمة، ينهل منه القاصي والداني. هؤلاء لم يكونوا مجرد ناقلين للمعرفة، بل كانوا بناة وعي، وصناع نهضة، تقرأ بصماتهم في العقول كما تحس آثارهم في السلوك والمجتمع. ومن بين هذه القامات العلمية الشامخة يبرز اسم الشيخ عبد العزيز بن باز، المفتي العام السابق للمملكة العربية السعودية، الذي اقترن اسمه بنقاء العقيدة، وصدق الاتباع، ورسوخ الفتوى المبنية على الدليل، فغدا مرجعا علميا، ومعلما هاديا في دروب الفهم والالتزام.

ولم يكن تأثيره حبيس البيئة العربية، بل سرى نوره إلى آفاق بعيدة، حتى بلغ أطراف جنوب آسيا، حيث بنغلاديش، تلك الأرض التي تختزن إرثا إسلاميا عريقا، وتعيش في الوقت ذاته حراكا فكريا متجددا. وهناك تداخل أثره مع نسيجها الديني والاجتماعي، فترك بصمات واضحة في ميادين العلم والإيمان والدعوة، تتفاوت مظاهرها، لكنها تتفق في عمقها وامتدادها.

 

أولا: الأثر العلمي – انبعاث الوعي وتجديد المنهج:

على الرغم من رسوخ تقاليد التعليم الإسلامي في بنغلاديش، فإن العصر الحديث شهد تحولا نوعيا في مسار المعرفة مع اتساع جسور التواصل العلمي مع المشرق العربي. فقد شد طلاب العلم رحالهم إلى الحواضر العلمية في المملكة العربية السعودية وغيرها، فعادوا حاملين معهم رصيدا علميا جديدا، وروحا منهجية مختلفة، كان لمدرسة ابن باز فيها النصيب الأوفر.

لقد قام منهجه على إحياء الصلة المباشرة بالنصوص المؤسسة، قرآنا وسنة، مع الدعوة إلى تحكيم الدليل، والتخفف من ربقة التقليد الجامد، دون أن يعني ذلك القطيعة مع التراث، بل إعادة قراءته في ضوء النصوص وروح الشريعة. وقد لامس هذا الطرح وجدان طائفة من العلماء الشباب في بنغلاديش، فاندفعوا نحو أفق أرحب من البحث يجمع بين التحقيق والمقارنة، وبين الأصالة والاجتهاد المنضبط.

كما وجدت فتاواه، بما اتسمت به من وضوح في التأصيل، ومرونة في تنزيل الأحكام على الواقع، طريقها إلى الدوائر العلمية، فأصبحت مرجعا يستضاء به في معالجة القضايا المستجدة. ففي ميادين الاقتصاد المعاصر، والتطورات الطبية، والتحولات الاجتماعية، برز حضوره بوصفه صوتا علميا يوازن بين الثوابت والمتغيرات، ويقدم إجابات تستند إلى النص، وتراعي السياق. ولم يكن أثره مجرد إضافة معرفية عابرة، بل أسهم في بعث حيوية جديدة في مسار التفكير الإسلامي، حيث تلاقت أنوار التراث مع تحديات الحاضر في محاولة واعية لبناء خطاب علمي رصين، يعرفه العمق، ويهديه الدليل، ويحتضنه الواقع.

 

ثانيا: الأثر الإيماني – إشراقة الروح وبعث اليقين:

إذا كان للعلم أثره في توجيه العقول، فإن للإيمان سلطانه في إحياء القلوب، وفي هذا البعد تحديدا يتجلى جانب عميق من تأثير الشيخ عبد العزيز بن باز، حيث لم يكن حضوره مجرد حضور علمي جاف، بل كان إشعاعا روحيا يتسلل إلى النفوس فيوقظها، ويعيد إليها صفاءها الأول. فقد اتسمت شخصيته بسمت العارفين، وبساطة الصالحين، وخشية صادقة تفيض من كلماته قبل أفعاله حتى غدا مثالا حيا لمعنى الإخلاص، وتجسيدا عمليا للاتباع الصادق.

لقد كان في حياته درس بليغ، لا في أقواله فحسب، بل في سلوكه اليومي، حيث تتجلى السنة في تفاصيله، ويظهر الصدق في مواقفه، فيرى فيه الناس صورة العالم العامل، الذي لا يفصل بين العلم والعمل، ولا بين القول والحال. ومن هنا، تسللت كلماته إلى القلوب قبل أن تبلغ الأسماع، وأثرت في النفوس قبل أن تناقشها العقول.

وفي بنغلاديش، حيث تتعانق التقاليد الدينية مع الواقع الاجتماعي المتغير، كان لانتشار سيرته ومحاضراته وأقواله أثر بالغ في إحياء الوجدان الإيماني لدى عامة المسلمين. فقد وجد فيه كثيرون مرآة صادقة تعكس لهم معاني التقوى، فاندفعوا إلى مراجعة ذواتهم، وتصحيح مسارهم، متجهين نحو مزيد من الالتزام بالصلاة، وتحري الحلال، واجتناب الشبهات، واستحضار القيم الأخلاقية في تفاصيل حياتهم.

أما الشباب، الذين يقفون على تخوم التحولات الفكرية وضغوط الحداثة، فقد وجدوا في خطابه ملاذا فكريا وروحيا في آن واحد. إذ قدم لهم الإسلام في صورته النقية، بعيدا عن التعقيد والغلو، مقرونا بالحجة الواضحة والأسلوب القريب، فاستعادوا من خلاله صلتهم بهويتهم، وأعادوا اكتشاف معنى التدين بوصفه حضورا شاملا في الحياة، لا يقتصر على الشعائر، بل يمتد إلى السلوك، والاختيارات، ونمط العيش.

ولم يكن أثره الإيماني مجرد لحظة عابرة من التأثر، بل كان مسارا ممتدا من التحول، ينتقل بالإنسان من الغفلة إلى اليقظة، ومن التردد إلى الثبات، ومن ظاهر الالتزام إلى عمقه، حيث يحيا القلب بنور الإيمان، ويستقيم السلوك على هدي القران والسنة.

 

ثالثا: منهج الدعوة – سيمفونية اللين والحكمة:

يتجلى منهج الدعوة عند الشيخ ابن باز في صورة فريدة من التوازن الدقيق الذي يمزج بين رقة الأسلوب وعمق الحكمة، إذ لم يكن يميل إلى الشدة المنفرة، ولا إلى الخطاب العاطفي المنفلت، بل كان يؤسس دعوته على الرفق الذي يأسر القلوب، والحكمة التي تخاطب العقول، والحوار الذي يفتح آفاق التفاهم بدل أن يغلقها بجدل عقيم. فجاء نهجه ترجمة حية للتوجيه القرآني الخالد: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، حيث تتكامل البلاغة مع البصيرة، ويقترن البيان بحسن التوجيه.

وقد ترك هذا المنهج بصمته الواضحة في الساحة البنغلاديشية، إذ اقتدت به العديد من المؤسسات الدعوية، فتبنت خطابا عقلانيا هادئا، يستند إلى الحجة والبرهان، ويستثمر أدوات العصر ووسائل التواصل الحديثة للوصول إلى شرائح المجتمع، لا سيما في الأوساط الحضرية المتعلمة. فانتشرت حلقات الحوار، وتوسعت جلسات الأسئلة والأجوبة، وأضحت الدعوة أكثر قدرة على ملامسة الواقع، وأكثر انسجاما مع تحدياته المتجددة.

كما يتجلى أثر هذا المسلك الرشيد في ترسيخ عقيدة التوحيد، ومواجهة مظاهر الخرافة والبدع، وإحياء روح الالتزام بالسنة في تفاصيل الحياة اليومية. وعلى الرغم مما يعتري هذا المسار من عوائق وتحديات، فإنه يمضي بخطى واثقة نحو التشكل كحركة مجتمعية واعية، تحمل في طياتها بذور إصلاح عميق، وتبشر بتحول إيجابي متدرج يعيد للمجتمع توازنه وهويته.

 

رابعا: الأثر التعليمي والمؤسسي – من التأصيل إلى التمكين:

لم يقف إشعاع الشيخ ابن باز عند حدود الوعظ والإرشاد، بل امتد ليؤسس حضورا راسخا في البنية التعليمية والمؤسسية في بنغلاديش، حيث أخذت معالم تأثيره تتجلى في إعادة تشكيل المناهج، وبناء توجهات علمية أكثر التصاقا بأصول الوحي ومقاصده. فقد اتجهت طائفة من المؤسسات التعليمية إلى ترسيخ العقيدة الصحيحة، وتعميق الفقه المؤسس على الكتاب والسنة في مسعى لإحياء نموذج علمي يجمع بين صفاء المنهج ورصانة الاستدلال.

وفي خضم هذا التحول برزت اللغة العربية بوصفها جسرا معرفيا لا غنى عنه، فتزايد الإقبال على تعلمها، إدراكا لأهميتها في النفاذ إلى منابع العلم الأولى، والتفاعل المباشر مع تراث العلماء دون حواجز الترجمة أو قيود الوساطة. وهكذا، لم تعد العربية مجرد أداة، بل أضحت مفتاحا للوعي، وبوابة للانخراط في الفضاء العلمي الإسلامي الأوسع.

ومن زاوية أخرى، عاد العلماء البنغلاديشيون الذين نهلوا من معين الجامعات العربية وفي طليعتها المؤسسات العلمية في المملكة العربية السعودية ليؤدوا دورا محوريا في نقل هذا الزخم العلمي إلى الداخل عبر التدريس في المدارس الدينية، والجامعات، ومراكز البحث. وقد أسهموا في إدماج الرؤية العلمية للشيخ ابن باز ضمن النقاشات الأكاديمية، مما أفضى إلى نشوء بيئة فكرية متجددة تتسم بالجدية والانفتاح، وتعيد الاعتبار للبحث المنهجي الرصين.

ولم يتوقف هذا الأثر عند حدود القاعات الدراسية، بل امتد إلى الفضاء الرقمي الرحب، حيث انتشرت فتاواه ومحاضراته مترجمة عبر المنصات الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي، فانتقلت المعرفة من دائرتها النخبوية الضيقة إلى أفق مجتمعي أوسع، يتيح لعامة الناس الولوج إلى منابعها، ويعزز ثقافة التعلم، ويغذي وعيا دينيا متزنا في قلب المجتمع.

وهكذا يتبدى هذا الأثر التعليمي والمؤسسي بوصفه تحولا عميقا، لا يكتفي بنقل المعرفة، بل يسعى إلى إعادة تشكيل الوعي، وبناء إنسان قادر على الفهم، والاستيعاب، والتفاعل مع قضايا دينه وواقعه في آن واحد.

 

خامسا: الأثر الاجتماعي – جدلية الأخلاق ومسار الإصلاح:

لم تقف آثار دعوة الشيخ ابن باز عند حدود التزكية الفردية، بل تجاوزت ذلك لتنساب في شرايين المجتمع، مشكلة ملامح تحول أخلاقي يتدرج في عمقه واتساعه. فقد أعادت هذه الدعوة إحياء مركزية القيم الإسلامية في الوعي الجمعي، حيث غدت الأمانة، والصدق، وتحمل المسؤولية الاجتماعية مرتكزات أساسية في بناء السلوك العام بعد أن كادت تبهت تحت وطأة التحولات المعاصرة.

وفي هذا الإطار، أخذت معالم الإصلاح تتجلى في مجالات متعددة، من أبرزها الدعوة إلى تنزيه المعاملات الاقتصادية عن الربا، وإعادة الاعتبار للمنظومة القيمية داخل الأسرة، وترسيخ مبادئ العدل والإنصاف في العلاقات الاجتماعية. ولم يعد هذا الخطاب حبيس المنابر أو النصوص، بل أخذ يتحول تدريجيا إلى ممارسة مجتمعية، تتفاعل معها شرائح مختلفة، وتسهم في إعادة تشكيل الحس الأخلاقي العام.

ومع أن هذا المسار لا يزال في طور التكوين، ولم يبلغ بعد غايته المنشودة، إلا أن بوادره الإيجابية تبدو واضحة في الأفق، حاملة معها إمكانات واعدة لإحداث تحول اجتماعي متوازن، يعيد وصل المجتمع بجذوره القيمية، ويؤسس لنهضة أخلاقية تتكامل فيها المبادئ مع الممارسات والوعي مع السلوك.

 

سادسا: واقع الاختلاف والنقد – تنوع الرؤى وآفاق التلاقي:

إن التعددية التي تميز المشهد الإسلامي في بنغلاديش جعلت من حضور أفكار الشيخ ابن باز تجربة تتباين في مستويات تقبلها واستيعابها، إذ لم تتلقها جميع الأطياف بالقدر نفسه من الانسجام، خاصة في ظل ما يميز بعض المدارس الصوفية والتيارات التقليدية من خصوصيات منهجية ورؤى متوارثة، الأمر الذي أفرز في بعض الأحيان مساحات من الجدل والنقاش حول عدد من القضايا العلمية والمنهجية.

غير أن هذا التباين، إذا ما أحسن توجيهه، يتحول من كونه موضع إشكال إلى كونه مصدر إثراء، يعكس حيوية الفكر الإسلامي وقدرته على التفاعل مع ذاته ومراجعة مساراته. فاختلاف وجهات النظر يفتح أبوابا للحوار، ويحفز على تعميق البحث، ويمنح الساحة العلمية زخما يدفعها نحو مزيد من النضج والتوازن. ومن هنا تبرز أهمية الارتقاء بثقافة الاختلاف، بحيث تقوم على الاحترام المتبادل، والإنصاف في الطرح، والاحتكام إلى الدليل والبرهان بعيدا عن نوازع التعصب أو الإقصاء. فبهذا وحده يتحول الحوار إلى جسر للتلاقي، وتتبدل مساحات الخلاف إلى ميادين للتكامل، يسهم فيها الجميع في خدمة الإسلام، وإغناء مسيرته الفكرية في عالم متغير.

سابعا: موقع بنغلاديش في السياق العالمي – تلاقي التأثيرات وتشكل الرؤية:

إن استجلاء أثر الشيخ ابن باز في بنغلاديش لا يكتمل دون استحضار موقعها ضمن الخريطة العالمية المتحولة، فهي دولة صاعدة على المستوى الاقتصادي، نابضة بكتلة شبابية واسعة، ومنفتحة بوتيرة متسارعة على فضاءات الاتصال والمعرفة العابرة للحدود. وفي ظل هذا الانفتاح المتنامي، تتدفق التيارات الفكرية، وفي طليعتها الفكر الإسلامي لتتفاعل مع الواقع المحلي، وتعيد تشكيل ملامحه في سياق عالمي متشابك.

ويبرز فكر الشيخ ابن باز كأحد الروافد المؤثرة ضمن هذا الحراك الفكري العالمي، حيث أسهم في إغناء الوعي الديني المعاصر، غير أن حضوره في بنغلاديش لا يأتي بوصفه نقلا مجردا، بل يخضع لعملية تفاعل دقيقة مع الخصوصية الثقافية والتراثية للمجتمع، في مسار يسعى إلى تحقيق معادلة دقيقة بين أصالة المرجعية ومتطلبات الواقع.

ومن رحم هذا التفاعل، تتشكل ملامح رؤية إسلامية بنغلاديشية واعدة، تستمد جذورها من الامتداد الحضاري للأمة، وتستجيب في الآن ذاته لتحديات البيئة المحلية، مما يؤهلها في الأفق المنظور لأن تسهم في إثراء الخطاب الإسلامي العالمي، وتقدم نموذجا متوازنا يجمع بين الهوية والانفتاح، وبين الثوابت والتجديد.

 

إن تأثير الشيخ ابن باز في بنغلاديش يتجلى بوصفه ظاهرة متعددة الأبعاد، تداخلت خيوطها في نسيج العلم والإيمان، وتغلغلت آثارها في مجالات الدعوة والتعليم حتى لامست مختلف مستويات البناء الاجتماعي. ولم يكن هذا التأثير معزولا عن سياق أوسع، بل جاء امتدادا لتيار الصحوة الإسلامية العالمية، مسهما في رسم ملامح وعي ديني متجدد، واستشراف آفاق أرحب لخطاب إسلامي قادر على التفاعل مع تحولات العصر.

غير أن الإحاطة بهذا التأثير لا تستقيم بنظرة أحادية جامدة، بل تقتضي إدراكه كمسار حي متحرك، تتداخل فيه الأبعاد، وتتقاطع عنده المرجعيات، في تفاعل مستمر بين المحلي والعالمي، وبين الموروث والواقع. ومن هنا فإن حسن توجيه هذا المسار يظل رهينا بتحقيق معادلة دقيقة، توازن بين أصالة التراث ومتطلبات الحداثة، وبين الخصوصية الثقافية والانفتاح الحضاري.

وفي ظل هذا التوازن المنشود، يلوح في الأفق أمل بناء مجتمع متماسك، يتأسس على المعرفة الرصينة، ويتشبع بالقيم الروحية، ويجمع بين صفاء العقيدة وعمق الفهم ورقي السلوك. وهكذا يغدو هذا التأثير إذا ما أحسن استثماره لبنة في مشروع نهضوي متكامل، يستلهم من جذوره الثابتة، وينفتح في الوقت ذاته على آفاق التجديد ليصوغ مستقبلا أكثر إشراقا واتزانا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *