الإسلام في بريطانيا في القرن التاسع عشر
بقلم : أحمد شوقي عفيفي
داعية إسلامي وكاتب بنغالي
كان القرن التاسع عشر أشبه بخيط ضوء يتسلل في أطراف الأفق قبل أن يشتعل الصباح. لا هو ليل تام، ولا نهار مكتمل، بل فسحة بينهما، تتشكل فيها البدايات، وتعيد الأرض فيها ترتيب ملامحها على مهل. وفي هذا الضوء الخافت، بدأت بريطانيا ترى الإسلام لا زائرا عابرا، ولا بحارا مجهول الاسم، بل إنسانا يختار الإقامة، وسيرة تتجذر، وصوتا يطلب لنفسه مكانا في هذا العالم الشمالي البارد. لقد انتهى زمن المفردات العابرة، وبدأ زمن التكوين، زمن الجماعة التي تبحث عن بيت، والقلوب التي تطلب أن تصلي على أرض ثابتة لا تتحرك مع موج البحر. وهكذا بدا القرن التاسع عشر رحم الوجود الإسلامي في بريطانيا.
كان المسلمون في القرون السابقة كالرمل الذي تحمله الريح، فتلقيه في المرافئ ثم تعود فتبدده. لكن القرن التاسع عشر شهد لحظة التحول، لحظة أن قال البحر كلمته الأخيرة، وبدأ المسلمون يستقرون فوق اليابسة.
كانت كارديف أشبه بمدينة تدرك أن البحر يأتي بالغرباء لا ليغادروا، بل ليقيموا. استقبلت البحارة المسلمين في موانئها، واحتضنت صلواتهم المتواضعة، وسجلت أول ملامح جالية تتنفس معا، وتبني وجودها حجرا فوق حجر.
لم يكن القرن التاسع عشر قرن استقرار جسدي فقط، بل قرن دهشة روحية، ففيه دخل رجال من النخبة البريطانية في الإسلام، دخولا لم يكن في حساب السياسة أو الفكر الأوروبي يومئذ.
جاء البحارة الهنود وخصوصا البنغاليين واللاسكار يحملون معهم بقايا الشرق في أعينهم ولهجتهم وصلواتهم. وجاء اليمانيون، أهل الموانئ ورجال السفن، لتستقر أقدامهم في ليفربول وكارديف. لم يعودوا مجرد وجوه تذوب في زحام المرافئ، بل صار لهم غرف متواضعة ومطابخ تعد فيها روائح وطن بعيد وزوايا صغيرة تقام فيها الصلاة، وإن لم تسم بعد مساجد، كانت تلك البدايات الخجولة لصوت سيكبر لاحقا.
كان ذلك في أواخر القرن الثامن عشر، حين كانت شمس البنغال تنحدر على صفحة الأنهار كجوهرة منصهرة من ذهب ونار. ينسكب ضياؤها فوق وجوه رجال بسطاء يقفون عند حافة الميناء، حفاة إلا من رجاء يلمع في عيونهم. كانوا ينتظرون نداء السفن الأجنبية التي تحملهم إلى عالم لا يعرفونه، لكنهم يعرفون تماما أن البقاء في قراهم لن يبقي لهم ما يسد الرمق.
جاء أكثر هؤلاء من سيلهيت البنغلاديشية، أرض الأنهار المتشابكة والرطوبة التي لا ترحم. شباب نحيفون، لكن قلوبهم أصلب من قاع البحر. كان البريطانيون يسمونهم في سجلاتهم بـاللاسكار، كلمة لا تنتمي إلى لغتهم، لكنها التصقت بهم كما تلتصق الرطوبة بجدران بيوتهم الطينية.
حين يهتف البحر باسم رجل خرج رحيم علي من بيته في فجر غائم، رشف قهوته السوداء، قبل رأس أمه، ومضى. لم يكن يملك إلا صدقه وصمته ومصحفا ورثه من أبيه، يحفظه في حافظة جلدية صغيرة. وحين خطا سلم السفينة البريطانية لأول مرة، بدت له كغول معدني هائل: سلاسل تتدلى، أشرعة تتلوى، ووجوه بيضاء تتحدث بلغات لا تشبه أصوات صلوات الفجر في قريته. ومع ذلك لم يتردد.
فالفقر لا يترك للرجل رفاهية الاختيار. كانت الليالي على ظهر السفينة طويلة كالعذاب، والبرد يلسع عظامهم كذئب جائع.
وفي تلك الليالي، كان اللاسكار يجتمعون عند زاوية صغيرة على السطح، يشعلون مصباح زيت شاحبا، ويقرأ كبيرهم سورة يس بصوت يتغلغل في الظلام، كخيط نور يشق صدر الليل.
كتب أحد الضباط البريطانيين في مذكرته هؤلاء البحارة الشرقيون يملكون ما لا نملكه يقفون أمام الله ولو صرخت العاصفة في وجوههم. كان الإنجليز يتعجبون من وضوئهم في الماء المثلج، وصلاتهم التي لا تتوقف، وابتساماتهم التي تصمد رغم عواصف الأطلسي. لما اقتربت السفينة من نهر التايمز، بدت لندن كمدينة تنهض من بين الدخان. مصانع تنفث السحاب، واجهات حجرية عالية، وشوارع مكتظة بوجوه شاحبة وعيون لا تشبه عيون البنغال.
أنزلوا اللاسكار في حي ليماهوس، حيث الغرف الضيقة ذات الجدران الخشبية التي تفوح منها رائحة التوابل البنغالية، والخبز الرخيص، والتعب الطويل. كانت تلك الغرف التي لا يلتفت إليها أحد مسرحا للحظة تاريخية عظيمة.
في إحداها صلى البحارة أول صلاة جماعة للمسلمين في بريطانيا.
كان سيد خان من تشيتاغونغ، قوي البنية، عذب القلب. عمل في نقل الفحم في ميناء كارديف، ثم صار مع السنوات شيخ الجالية المسلمة هناك، يزوج الرجال، يعلم الصغار الفاتحة، ويغسل موتى البحر. وفي شتاء عام 1814م، حين مات أحد البحارة البنغال، كان سيد خان هو من قاده إلى المقبرة.
كانت تلك أول جنازة إسلامية تدفن في بريطانيا.
في مساء بارد من عام 1820م، جلس محمد دولا يقرأ آيات من المصحف في غرفة متواضعة شرق لندن. انضم إليه خمسة رجال غرباء، منهم من بكى شوقا إلى قريته. في تلك الأمسية، ولد أول مصلى من نوعه في لندن. غرفة واحدة لكنها كانت في عيونهم مسجدا كبيرا يلامس سماء القرية البعيدة.
عام 1822م، أسلمت فتاة بريطانية تدعى مارغريت بعد أن رأت أخلاق اللاسكار، وتزوجت أحدهم وأصبحت تدعى مريم.
كان ذلك الزواج بذرة أولى ستنبت لاحقا آلاف العائلات المسلمة في بريطانيا.
حل رمضان عام 1813م، فأحس اللاسكار بالغربة تضرب قلوبهم كالمطر البارد. كان العمل قاسيا، والبرد مخيفا، والطعام شحيحا. ومع ذلك صاموا. كان إفطارهم تمرات قليلة وخبزا رقيقا وماء باردا، وفي السحر، كانوا يقفون عند نافذة تطل على النهر، يرفعون أيديهم بالدعاء، يا الله احفظنا في هذه الأرض البعيدة. هكذا كتبت أول صفحة من تاريخ رمضان في بريطانيا. ولم يكن اللاسكار قادة ولا علماء. كانوا رجالا فقراء، يتكئون على البحر ليلا ونهارا. لكن خطواتهم المتعبة رسمت الطريق لأول مسجد، وأول جنازة، وأول جالية، وأول دورة حياة إسلامية على أرض بريطانيا. لقد زرعوا بذرة صغيرة في أرض لم تكن تعرف الإسلام. واليوم صارت تلك البذرة شجرة وارفة تمتد جذورها في لندن وبرمنغهام وليفربول وكارديف.
حكاية الإسلام في بريطانيا ليست حكاية سيوف ولا فتوحات، بل حكاية رجال بحر، خرجوا يبحثون عن رزق، ففتح الله على أيديهم قلوبا وشعوبا.
عبد الله كوليام الرجل الذي أيقظ النور في شوارع ليفربول
في نهايات القرن التاسع عشر، حين كانت ليفربول إحدى بوابات الإمبراطورية إلى الدنيا، وحين كان ضجيج الميناء يختلط بأنفاس البحارة القادمين من الشرق البعيد، ولد في تلك المدينة حدث روحي لم يكن في بال أحد محام إنجليزي شاب، تربى في أحضان البروتستانتية، يعبر حدود المألوف ليصبح أول من يرفع راية الإسلام في بريطانيا الحديثة.
إنه عبد الله كوليام الاسم الذي تحول إلى علامة فارقة في تاريخ الوجود الإسلامي في أوروبا الغربية. كان كوليام مجرد محام ناجح، شأنه شأن أبناء طبقته، حتى ساقته الأقدار إلى المغرب بحثا عن الشفاء. هناك، في أزقة فاس ومراكش، وبين أذان الفجر وعبق الأسواق القديمة، تفتح قلبه على نور جديد.
عاد إلى ليفربول محملا بسكينة لم يألفها من قبل، وإيمان لم يستطع أن يكتمه. وهكذا أصبح الإسلام بالنسبة إليه ليس مجرد عقيدة جديدة، بل قدرا يقتاده نحو رسالة تتجاوز حدود ذاته.
في عام 1889م، خطا كوليام الخطوة التي غيرت وجه التاريخ. افتتح في شارع وست ديربي رود أول مسجد رسمي في بريطانيا، مبنى متواضع في شكله، عظيم في أثره.
كان المسجد معهدا ومكتبة ومدرسة ومنارة، وكان قبل كل شيء بيتا لطمأنينة تسري بين الناس. من ذلك الركن الصغير في ليفربول بدأت الحكاية. بحارة اليمن والهند وماليزيا وجدوا فيه سكنا روحيا، والبريطانيون الفضوليون وجدوا فيه بابا مفتوحا على عالم آخر. تحول المسجد إلى قلب نابض يضخ المعرفة والنور في مدينة لم تكن تعرف عن الإسلام إلا اسمه.
لم يكن كوليام رجل مسجد فقط، كان صاحب فكر وقلم.
أصدر مجلتي الهلال و العالم الإسلامي، فصارتا أول صوت مسلم باللغة الإنجليزية يدوي في بريطانيا. كان يكتب بلغة رقيقة، ويخطب بعقل متزن، ويجادل بالتي هي أحسن.
وحين كان يجلس أمامه رجل متردد، كان كوليام يمنحه من هدوئه ما يجعل الحوار رحلة صادقة نحو الحقيقة. على يديه دخل الإسلام نحو مئتي رجل وامرأة مئتا روح شعرت أن النبع الذي اهتدى إليه هذا المحامي الإنجليزي يستحق أن يرتشف.
بلغ صدى الرجل أقاصي الشرق. فقد لقبه السلطان العثماني عبد الحميد الثاني بـشيخ الإسلام في الجزر البريطانية، وقلده سلاطين المغرب وشخصيات العالم الإسلامي أوسمة وتقديرا.
كان كوليام بالنسبة لهم وجه الإسلام المشرق في الغرب، وجسرا بين عالمين لم يكونا يعرفان بعضهما إلا من خلف ضباب السياسة. ولم يكن الطريق مفروشا بالورود.
فالصحف هاجمته، والمتشددون ضايقوه، والجهلة حطموا واجهات المسجد أكثر من مرة. لكن الرجل ظل واقفا، يداوي الجراح بالكلمة الطيبة، ويقابل الإساءة بالحكمة. وحين اشتد الحصار عليه، غادر ليفربول لكن أثره بقي طويلا، يشبه تلك المصابيح التي تظل مضيئة حتى بعد أن يرحل من أوقدها.
يبقى عبد الله كوليام واحدا من الذين صاغوا بداية الوجود الإسلامي الحديث في بريطانيا. لقد كان عبد الله كويليام جالية تمشي على قدمين، وصوتا أعاد تعريف الإسلام في عين أوروبا. تزلزلت الأوساط الفكرية، وبعضهم رأى كويليام مصلحا روحيا نادرا، وبعضهم رآه خائنا لتقاليد الغرب. لكن الجدال نفسه كان دليلا على أن الإسلام أصبح حدثا بريطانيا لا يمكن تجاهله.
كان بناء مسجد في بريطانيا آنذاك عملا يكاد يقارب المستحيل، فالمجتمع يرى الإسلام غريبا، والدولة لا تعرفه، والمجتمع لم يعتد عليه. ومع ذلك ولدت المساجد.
مسجد ليفربول أسسه كويليام في بيت واسع حوله إلى مسجد. ولم تكن هندسته شرقية، ولا منارته شاهقة، لكنه كان أول موضع تستقبل فيه القبلة جهارا في العصر الحديث.
كان مسجدا صغيرا بحجمه كبيرا برسالته.
هو الرجل الذي جعل من ليفربول، ولو لسنوات، مدينة يصدح فيها الأذان بين دقات الميناء. هو الذي رسم ملامح المسلم البريطاني الأول، وفتح الطريق لمن جاءوا بعده من العلماء والدعاة والمفكرين. لقد كان كوليام بكل بساطة الرائد الذي مشى قبل أن يعرف أحد الطريق. وما تزال بريطانيا إلى اليوم تمشي على أثر خطواته.

