الرئيسيةمقالاتكلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة
مقالات

كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة

 

سلمي الفلاح

 

ليست قلة  الكلمات علامة فقر، بل قد تكون ذروة الغنى. فحين تتسع الرؤية، لا يعود اللسان قادرا على مجاراة ما تراه الروح.

وتتكاثر المعاني في الداخل، تتزاحم الصور، فتبدو العبارة ضيقة مهما اتسعت مفرداتها.

الإنسان في بدايات فهمه يكثر الكلام، يشرح ويبرر ويستفيض ، لأنه ما زال يلامس الأشياء من سطحها. أما حين ينضج الوعي ويغور النظر،

يدرك أن الحقيقة لا تقال كاملة، وأن بعض المعاني تحس ولا تنطق. هنا، لا يكون الصمت هروبا، بل حكمة.

 

الصمت… لغات لا تسمع

 

للصمت أنواع، ولكل نوع أثره.

هناك صمت التأمل، حين تنشغل الروح بالفهم، فيهدأ اللسان احتراما لما يبصره القلب.

وصمت الألم، حين تعجز الكلمات عن حمل الوجع، فيكون السكوت أصدق من الشكوى.

وصمت الحكمة، وهو أرقى الصمت، حين نعرف أن الكلام قد يفسد المعنى أكثر مما يوضحه.

وهناك صمت الرضا، صمت السلام الداخلي، حين لا يعود الإنسان محتاجا لإثبات شيء.

فوائد الصمت لا تقل عن فوائد الكلام، بل ربما تفوقها. بالصمت نسمع أنفسنا، نعيد ترتيب أفكارنا، نحفظ المعاني من الابتذال. الصمت يمنح الفكرة نُبلها، ويمنح المشاعر كرامتها.

كلما اقتربنا من جوهر الأشياء، خف الضجيج. ندرك أن بعض الحقائق لا تحتمل الصراخ، وأن العمق لا يحب الاستعراض.

لذلك تضيق العبارة، لا عجزا، بل امتلاء. فليس كل ما يرى يقال، وليس كل ما يقال يضيف.

أحيانا… يكفي أن نرى،

ونترك للصمت

أن يقول ما عجزت عنه الكلمات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *