رواية المُنفرد ونساؤه الساحرات.. كيف يواجه يوسف زيدان ذاته في مرايا النساء؟
الخميس, سبتمبر 10, 2026
الرئيسيةمقالاتمن “عزازيل” إلى “المُنفرد”… كيف جلد يوسف زيدان ذاته في مرايا النساء؟
مقالات

من “عزازيل” إلى “المُنفرد”… كيف جلد يوسف زيدان ذاته في مرايا النساء؟

من “عزازيل” إلى “المُنفرد”… كيف جلد يوسف زيدان ذاته في مرايا النساء؟

“المُنفرد ونساؤه الساحرات”: عندما يتحول الهروب إلى اختفاء

 

بقلم الباحث والكاتب: أشرف بن ماضي

صدرت قبل أيام عن دار “نون للنشر والتوزيع” رواية “المُنفرد ونساؤه الساحرات” للبروفيسور يوسف زيدان،

فجاءت امتداداً طبيعياً لمساره الفكري والأدبي، وعودة مدوية إلى السرد الروائي بعد سنوات من الاشتغال بالبحث والتاريخ والفلسفة.

وتأتي هذه الرواية في لحظة فارقة، حيث يعود زيدان إلى الرواية بعد انشغاله سنوات بالدراسات التاريخية والتراثية،

ليؤكد أن الروائي الحقي لا يموت، بل يعتكف ثم يعود بسؤال أكبر. فبعد “عزازيل” التي فككت التاريخ الديني، يأتي “المُنفرد” ليفك التاريخ الشخصي للإنسان.

 

أولاً: سؤال الوجود… بصيغة جديدة

لا يقدم زيدان في هذه الرواية حكاية تقليدية، بل يطرح سؤالاً فلسفياً أزلياً في ثوب سردي: “من أنا؟”.

لكن عبقرية زيدان تكمن في أنه لا يجيب عن السؤال من داخل الذات المتأملة، بل يجيب عنه من خارجها. فالذات عنده لا تكتمل إلا بانعكاسها.

ولذلك كانت “النساء” هن المرايا. و”السحر” هو قدرة هذه المرايا على تشكيلنا وتفكيكنا وإعادة تركيبنا.

 

يفتتح الرواية بجملة صادمة:

“لا أميلُ إلى الكلام عن أمي… لكنها أولى النساء في حياتي”

هنا يعلن زيدان أطروحته من السطر الأول: أصل الهوية هو أول انعكاس.

الأم هي المرآة الأولى، ومنها تبدأ رحلة البحث عن الذات.

 

ثانياً: البنية المفارقة… من العزلة إلى الاختفاء

يحمل عنوان الرواية في طياته مأساة كاملة. “المُنفرد” اسم فاعل يدل على اختيار واعٍ للوحدة والهروب من الجماعة.

و “ونساؤه الساحرات” جمع يدل على الكثرة والفتنة والجذب.

وتقوم حبكة الرواية على مفارقة وجودية بارعة: البطل الذي اختار الانفراد في البداية،

ينتهي به المطاف إلى “الذوبان في الجموع حتى يصبح وجوده مهدداً بالاختفاء”.

وكأن زيدان يقول لنا: الهروب من الآخر لا ينجيك، بل يلقي بك في قلب الآخر لتختفي فيه تماماً.

هذه هي تراجيديا الفرد في العصر الحديث.

 

ثالثاً: فاس والقرويين… الإسقاط التاريخي

لا يمكن فصل زيدان عن هوسه بالتاريخ. واختيار “النساء الساحرات” ليس عبثياً. فالسحر عند زيدان هو “المعرفة المحرمة” دائماً.

والمرأة عند الصوفية والفلاسفة هي رمز العالم والطبيعة التي ينعكس فيها الحق.

بل إن اسم “فاس” نفسها التي بناها الأدارسة بعد الهروب من مجزرة فخ، كانت ملاذاً للمنفيين والعلماء.

وجامع القرويين أول جامعة في التاريخ كان “مرآة” للحضارة الإسلامية.

وكأن زيدان يقول ضمناً: كما هرب إدريس من المذبحة فأسس دولة ومعرفة، يهرب “المُنفرد” من الجماعة ليؤسس ذاته… لكنه قد يختفي في محاولته.

 

رابعاً: زيدان… بين السرد والفلسفة والتاريخ

ما يميز البروفيسور يوسف زيدان أنه لا يكتب رواية للتسلية. إنه يكتب رواية للمعرفة.

تجتمع في “المُنفرد” ثلاثة مستويات لا ينفك بعضها عن بعض:

1. المستوى السردي: حكاية رجل يستعيد نساءه. كل امرأة مرحلة عمرية، وكل مرحلة مرآة.

2. المستوى الفلسفي: تفكيك لمفهوم “الأنا”. الإنسان لا يرى نفسه إلا في عيون الآخرين.

3. المستوى التاريخي والاجتماعي: كعادته، لا يفصل زيدان الفرد عن سياقه.

فالسيرة الذاتية للبطل مشحونة بخلفيات سياسية واجتماعية تجعل من الرواية وثيقة إنسانية.

 

خامساً: من “عزازيل” إلى “المُنفرد”… تطور السؤال

إذا كانت “عزازيل” رواية عن صراع الإنسان مع الإيمان والتاريخ والسلطة، فإن “المُنفرد” رواية عن صراع الإنسان مع نفسه.

في الأولى كان البطل هيبا يواجه العالم الخارجي، وفي الثانية يواجه البطل مرايا الداخل.

وهذا هو تطور البروفيسور زيدان: انتقل من سؤال “ما هو الدين؟” إلى سؤال “من أنا داخل هذا الدين وهذا التاريخ؟”.

إنها نقلة من الملحمة إلى الأنطولوجيا. من جلد الذات في مواجهة السلطة، إلى جلد الذات في مواجهة المرآة.

 

سادساً: الإشادة… لماذا زيدان عبقري؟

إن عبقرية البروفيسور يوسف زيدان لا تكمن فقط في غزارة إنتاجه الذي تجاوز السبعين كتاباً، ولا في تتويجه العالمي برواية “عزازيل” وجائزة البوكر.

 

تتجلى عبقريته الحقيقية في أربعة أشياء:

1. شجاعة السؤال: لا يخشى زيدان أن يبدأ روايته بالأم، وأن يجعل من العلاقة بين الرجل والمرأة مدخلاً لبحث أنطولوجي.

هذا اقتحام للمناطق المسكوت عنها.

2. لغة المفكر: لغته ليست لغة روائي فحسب، بل لغة أستاذ جامعي في الفلسفة وتاريخ العلوم.

جملة واحدة عنده تساوي فصلاً كاملاً من التأمل.

3. القدرة على الربط: يربط بين الخاص والعام، بين سيرة الفرد وتاريخ الأمة، بين غرفة النوم وسؤال الوجود.

وهذا هو تعريف الرواية الكبرى.

4. كسر التابوهات بذكاء: يبدأ بالأم. يتحدث عن الجسد والمرآة والذاكرة بلا ابتذال.

زيدان لا يستفز من أجل الاستفزاز، بل يستفز من أجل أن تواجه نفسك. هذه هي جرأة المفكر الحقيقي.

 

أخيراً: رواية للقرن الحادي والعشرين

“المُنفرد ونساؤه الساحرات” ليست رواية عن النساء. إنها رواية عنا نحن.

عن خوفنا من الوحدة، وعن خوفنا من الاختفاء في الزحام.

عن بحثنا المحموم عن ذواتنا في وجوه الآخرين.

وأخيراً… هذه الرواية ليست موجهة لمن يبحث عن “حبكة بوليسية” أو “نهاية سعيدة”.

إنها موجهة لمن يجرؤ على النظر في المرآة.

لقد قدم لنا البروفيسور يوسف زيدان عملاً لا يُقرأ مرة واحدة، بل يُعاش.

عملاً سيبقى محل جدل ونقاش لسنوات، لأنه ببساطة… مسّ الجرح.

تحية للبروفيسور يوسف زيدان… الذي لا يكتب لكي نُسلي وقتنا، بل لكي نُفكر في وقتنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *