مساعدات الصين إلى نيبال.. نموذج للتضامن مع الجنوب العالمي وخدمة الحزام
الخميس, سبتمبر 10, 2026
الرئيسيةسياسةمساعدات الصين إلى نيبال.. هل تقدم بكين نموذجًا جديدًا للتضامن مع الجنوب العالمي؟
سياسة

مساعدات الصين إلى نيبال.. هل تقدم بكين نموذجًا جديدًا للتضامن مع الجنوب العالمي؟

مساعدات الصين إلى نيبال كنموذج للتضامن الصينى مع الجنوب العالمى كبديل تنموى للمساعدات الغربية المشروطة ولخدمة أهداف مبادرة الحزام والطريق الصينية

المساعدات الصينية لنيبال: نموذج جديد للتعاون بين دول الجنوب

 

تحليل الدكتورة/ نادية حلمى 

الخبيرة المصرية فى الشئون السياسية الصينية وسياسات الحزب الشيوعى الحاكم فى الصين والشئون الآسيوية ـ أستاذ العلوم السياسية جامعة بنى سويف

 

يعد نموذج تقديم المساعدات الصينية لدولة نيبال – خاصةً أثناء فترة الأزمات والكوارث الطبيعية بها – نموذجاً تطبيقياً بارزاً للتضامن بين دول الجنوب العالمى،

وتطرحها بكين كبديل تنموى للمساعدات الغربية المشروطة بالإصلاحات السياسية والهيكلية.

تهدف هذه الشراكة بشكل أساسى إلى خدمة أهداف “مبادرة الحزام والطريق الصينية”،

من خلال تحويل نيبال من بلد “مغلق برياً” إلى بلد “متصل برياً” عبر شبكات البنية التحتية العابرة لجبال الهيمالايا.

وهنا، يعد نموذج تقديم المساعدات الصينية لنيبال نموذجاً تطبيقياً بارزاً لإستراتيجية بكين فى تعزيز التضامن مع دول “الجنوب العالمى”.

وتتجاوز هذه العلاقات البعد الإغاثى التقليدى لتشمل شراكات إستراتيجية وإقتصادية تهدف من خلالها الصين إلى تقديم بديل تنموى للمساعدات الغربية المشروطة.

فقد أرسلت الصين حزم مساعدات إنسانية طارئة ومساعدات نقدية وفريقاً من الخبراء إلى دولة نيبال لإغاثة المتضررين من كارثة الإنهيار الطينى والفيضانات المدمرة التى ضربت المناطق الحدودية بين البلدين فى أواخر شهر أغسطس ٢٠٢٦.

ووصلت مساعدات الإغاثة الإنسانية الصينية لنيبال على عدة مراحل، فقد وصلت دفعات متتالية من الإمدادات التى تشمل

(الخيام، البطانيات، أكياس النوم، البسكويت الجاف، ومستلزمات الطوارئ) عبر طائرات نقل صينية خاصة إلى العاصمة كاتماندو،

كما أرسلت الصين العديد من الفرق المختصة للإعاثة، وخبراء الإنقاذ المتخصصين فى الأنفاق، بالإضافة إلى خبراء فى الحمض النووى

 

(DNA)

 

للمساعدة فى عمليات البحث والتعرف على الضحايا. كما قدمت الصين العديد من عمليات الدعم اللوجستى والمعلوماتى لنيبال.

فقد شاركت الصين (بيانات الأقمار الصناعية والصور الجوية والبيانات الهيدرولوجية) مع نيبال،

وقدمت مساعدات مباشرة إلى ١٧٢٠ من سكان المناطق الحدودية النيبالية الذين تقطعت بهم السبل فى (محافظة قييرونغ الحدودية).

 

(Gyirong)

 

فهذا النموذج الصينى للتضامن مع دولة نيبال، يعد كجزء من جهود بكين لتعزيز علاقاتها مع دول الجنوب وتوفير الإغاثة الإنسانية والدعم التكنولوجى فى المناطق الحدودية المشتركة.

وتسهم هذه المبادرات الإغاثية والتنموية والإنسانية الصينية فى الإستجابة للأزمات فى بلدان الجنوب العالمى كنيبال، فى تخفيف آثار الكوارث الطبيعية،

من خلال (تبادل البيانات الهيدرولوجية وصور الأقمار الصناعية لمراقبة الفيضانات والإنهيارات الأرضية، وتقديم الدعم اللوجستى والإنسانى المباشر للسكان المحاصرين فى المناطق الوعرة)،

مثل (محافظة قييرونغ الحدودية). وهو ما يعنى تعزيز العمق الإستراتيجى للعلاقات الصينية-النيبالية فى إطار مبادرة الحزام والطريق الصينية.

ويمكن تحليل هذا النموذج الصينى للتضامن مع بلدان الجنوب، عبر عدداً من الأبعاد الجيوسياسية والإقتصادية التالية،

منها (تقديم التضامن الصينى مع الجنوب العالمى والبديل التنموى للصين)، حيث تعتمد الصين في تقديم مساعداتها لنيبال على مبادئ “التعاون بين دول الجنوب”،

والتى تتميز بخصائص مغايرة للنموذج الغربى، كعدم التدخل فى الشؤون الداخلية للدول،

وذلك على عكس المساعدات والمشروعات الغربية، مثل (برنامج مؤسسة تحدى الألفية الأمريكى) المعروف بإسم “إم سى سى”

 

 MCC

 

وهو البرنامج الذى أثار نقاشات سياسية فى نيبال، كما أنه فى حين لا تفرض الصين شروطاً تتعلق بنظام الحكم أو الخصخصة الإقتصادية

فإن الغرب يضع مشروطية سياسية وإقتصادية لذلك. حيث تتميز المساعدات الصينية بمبدأ المرونة فى الأزمات الإنسانية،

ويتجلى هذا التضامن الصينى فى الإستجابة الفورية للكوارث الطبيعية، مثل الفيضانات والإنهيارات الطينية الأخيرة فى نيبال،

خلال شهرى أغسطس وسبتمبر ٢٠٢٦، حيث بادرت بكين بإرسال حزم إغاثة عاجلة، ومساعدات نقدية، وخبراء إنقاذ متخصصين فى الأنفاق، ومشاركة بيانات الأقمار الصناعية والأرصاد الهيدرولوجية بشكل مجانى.

وهو ما يخدم أهداف مبادرة الحزام والطريق للصين، حيث تعد نيبال شريكاً إستراتيجياً فى المبادرة منذ توقيع مذكرة التفاهم بينهما عام ٢٠١٧،

ووصولاً إلى توقيع “إطار عمل التعاون” التنفيذى المشترك، فضلاً عن مساعدات الصين لنيبال لبناء (شبكة الترابط النيبالية عبر الهيمالايا)،

حيث تسعى الصين لإنشاء شبكة إتصالات ونقل متعددة الأبعاد تشمل الطرق والسكك الحديدية، مثل (خط السكك الحديدية العابر للحدود بين التبت وكاتماندو).

وتمتد المساعدات والإستثمارات الصينية إلى قطاعات أمن الطاقة والطاقة الكهرومائية والمطارات الدولية، مثل (مطار بوخارا الدولى) لتسهيل حركة التجارة والسياحة.

 

ويمكن تحليل هذا النموذج الصينى للتضامن مع دولة نيبال والجنوب العالمى، عبر عدة محاور رئيسية تعكس ملامح التضامن الصينى مع الجنوب العالمى،

من خلال (التركيز الصينى على البنية التحتية والربط القارى)، حيث تركزت المساعدات الإستثمارية الصينية فى نيبال بشكل أساسى على قطاع البنية التحتية والمواصلات،

وهى السمة الأبرز لمبادرة الحزام والطريق الصينية التى إنضمت إليها نيبال عام ٢٠١٧.

كما كان للتواجد الصينى فى مشاريع النقل النيبالية دوراً بارزاً فى التعرف الصينى السريع على كافة أوجه الثغرات بعد حدوث أزمة الإنهيارات الأرضية،

خاصةً مع مشاركة الشركات الصينية فى مشروع شبكة السكك الحديدية العابرة لهيمالايا لربط لحاسا (التبت) بالعاصمة النيبالية كاتماندو.

بالإضافة للتمويلات الصينية لنماذج المطارات الدولية لبلدان الجنوب العالمى ونيببال.

فقد قامت الصين بتمويل وبناء مشاريع حيوية، مثل (مطار بوخارا الدوى).

كما شاركت الصين فى بناء محطات توليد الطاقة الكهرومائية لمساعدة نيبال على تحقيق الإكتفاء الذاتيالذاتى من الطاقة وتصدير الفائض.

 

ومن هنا، كان النموذج الصينى للتضامن وتقديم المساعدات الإنسانية والإستجابة للأزمات فى دولة نيبال

نموذجاً واضحاً للتضامن الصينى مع الجنوب العالمى الغير مشروط سياسياً.

وهنا تروج الصين لنموذج مساعداتها بإعتباره قائماً على “إحترام السيادة” وعدم التدخل فى الشؤون الداخلية،

وهو ما يلقى قبولاً واسعاً فى دول الجنوب العالمى.

ولم تكن تلك هى الحالة الأولى لتقديم مساعدات صينية للإعاثة إلى نيبال، فقد سبقتها تقديم مساعدات إنسانية طارئة خلال فترة زلزال عام ٢٠١٥،

فقد قدمت الصين حزم مساعدات مالية وفرق إنقاذ ضخمة لإعادة إعمار نيبال بعد الزلزال المدمر.

وتكرر نفس الأمر بعد جائحة كورونا (كوفيد-١٩)، فقد كانت بكين من أوائل المزودين لنيبال باللقاحات والمستلزمات الطبية فى وقت عانت فيه دول الجنوب من “قومية اللقاحات” فى الغرب.

 

ومن هنا، هدفت المساعدات الإنسانية الصينية للإستجابة للأزمات فى دول الجنوب العالمى إلى (تقليل التبعية الإقتصادية للغرب وتوفير البدائل).

فى الوقت الذى نجد فيه تاريخياً، إعتماد نيبال (كدولة حبيسة بعيداً عن موانئ البحار والمحيطات) بشكل شبه كامل على الهند فى التجارة والوصول إلى الموانئ البحرية.

ولكن قامت الصين بتوقيع إتفاقيات وبروتوكولات للعبور والنقل مع نيبال تتيح لها إستخدام الموانئ البحرية والبرية الصينية،

مما كسر الإحتكار الجغرافى التاريخى ووفر لنيبال بدائل إستراتيجية لتعزيز أمنها القومى والإقتصادى.

كما إشتمل التضامن الصينى مع نيبال تقديم أوجه الدعم لمشروعات التنمية المستدامة والمساعدات الفنية،

فقد شملت المساعدات الصينية نقل التكنولوجيا وبناء القدرات المحلية فى مجالات الزراعة، والتعليم، والرعاية الصحية،

عبر تقديم المنح الدراسية للطلاب النيباليين وتدريب الكوادر الفنية.

 

وبعقد مقارنة بين نموذج المساعدات الصينى والغربى فى الجنوب العالمى المطبق فى نيبال كنموذج، يمكننا فهم الآتى:

 

فبفهم أوجه المقارنة بين (النموذج الصينى المطبق فى نيبال وبلدان الجنوب العالمى، والنموذج الغربى التقليدى)، فمن حيث (الشروط المسبقة)،

فالنموذج الصينى للمساعدات غير مشروط سياسياً، يركز على المنفعة المتبادلة، ويقوم النموذج الصينى للتضامن مع الجنوب العالمى ونيبال على مبدأ إحترام السيادة،

وعدم التدخل فى السياسات الداخلية، هذا بينما يعد نموذج المساعدات الغربية مشروطاً بالشفافية،

وحقوق الإنسان، والإصلاح الهيكلى، فضلاً عن شروط تتعلق بالإصلاحات السياسية، وحقوق الإنسان، والهيكلة الإقتصادية،

وفيما يتعلق بمجال التركيز وقطاعات التركيز، فتقوم المساعدات الإنسانية والتنموية الصينية على البدء بالبنية التحتية الصلبة (طرق، جسور، طاقة، ومطارات وإغاثة إنسانية)،

بينما يتركز إهتمام النموذج الغربى التقليدى على مجالات (الحوكمة، التعليم، الإغاثة الإنسانية، والمجتمع المدنى، وبناء المؤسسات والصحة)،

وأخيراً فيما يتعلق بالسرعة والإجراءات فى مجال المساعدات الإنسانية والتنموية والإستجابة للأزمات فى دول الجنوب،

فيتمتع الجانب الصينى بسرعة عالية فى إتخاذ القرار وبدء المشاريع، فى حين يوصم الغرب بإجراءات بيروقراطية وتقييمات مطولة قبل التمويل،

وهنا تقوم (آلية التمويل فى النموذج الصينى للتضامن) على مزيج من المنح، والقروض الميسرة، وقروض بدون فوائد،

بينما تتمثل آلية التمويل الغربى فى التركيز على المنح التنموية أو قروض وكالات التمويل الدولية.

 

  وأخيراً

وبرغم برغماتية النموذج الصينى للتضامن مع بلدان الجنوب، إلا أن هناك العديد من التحديات والتعقيدات الواقعية، فرغم تقديم هذا النموذج كبديل متضامن،

إلا أنه لا يخلو من تحديات على أرض الواقع فى نيبال كنموذج، من حيث (التوازن بين القروض والمنح)،

فقد شهد الداخل النيبالى نقاشاً سياسياً مستمراً لحث بكين على تقديم “منح” بدلاً من “القروض الميسرة” لتفادى أعباء الديون وتكرار سيناريوهات التعثر المالى.

فضلاً عن الحذر الجيوسياسى حيث تجد نيبال نفسها وسط معادلة توازن دقيقة بين نفوذ جارتها الشمالية (الصين)

وبين علاقاتها التاريخية والإقتصادية العميقة مع (الهند والولايات المتحدة)، وهو ما يسبب العديد من التعقيدات والتحديات لدولة نيبال.

 

مساعدات الصين إلى نيبال كنموذج للتضامن الصينى مع الجنوب العالمى

كبديل تنموى للمساعدات الغربية المشروطة ولخدمة أهداف مبادرة الحزام والطريق الصينية: المساعدات الصينية لنيبال: نموذج

جديد للتعاون بين دول الجنوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *