بقلم الكاتبة الصحفية/نجوان صفي الدين
في زمن أصبح فيه التمسك باللغة العربية من التحديات، وأصبحت فيه الأجيال تتسابق في إتقان اللغات الأجنبية للتباهي فقط…
زمن أصبح فيه التعليم في المدارس الدولية في المقدمة لتأتى مثل هذه النابغة وتقلب الموازين كلها لتقنا درساً مهماً؛
ميار محمد.. جاءت لتلقّننا جميعاً درساً ربما غفل عنه الكثيرون؛ أن طالب العلم الحقيقي يستطيع أن يصنع تفوقه في أي مكان، وتحت أي ظرف،
وأن التميز لا يُقاس باسم المدرسة ولا بفخامة أسوارها، ولا بالالتحاق بالمدارس الدولية أو الخاصة،
وإنما يُقاس بما يحمله الطالب من شغف بالمعرفة، وإرادة للتعلم، وإصرار على النجاح.
لقد أثبتت ميار أن التعليم الحكومي ليس عائقاً أمام التفوق وهو أن طالب العلم الحقيقي يحققه في أي مكان،
لتطل علينا الطفلة المصرية ميار محمد لتقدم درساً استثنائياً في الاعتزاز بالهوية العربية الوطنية، وتؤكد أن لغة الضاد لا تزال تنبض بالحياة في قلوب الأجيال الجديدة.
ميار ليست مجرد طفلة تجيد القراءة أو تحفظ قواعد اللغة العربية ونحوها، بل هي نموذج مشرق لطفلة أتقنت لغتها، وأحسنت التعامل مع جمالياتها،
وتمكنت من إلقائها بجدارة لافتة، تتجلى في سلامة مخارج الألفاظ، ودقة النطق، وقوة الأداء، والثقة التي تمنح كلماتها حضوراً يليق بعظمة لغة القرآن الكريم ومكانتها.
إن ما تقدمه ميار يتجاوز حدود الموهبة الفردية؛ فهو رسالة أمل لكل أسرة مصرية، ولكل معلم ومؤسسة تربوية،
بأن بناء الأجيال لا يكون بالمعرفة وحدها، وإنما بغرس الانتماء والوعي والاعتزاز بالهوية منذ الصغر.
فحين تقف طفلة في عمر الزهور، وتتحدث بلغة عربية سليمة، وتضبط قواعدها، وتمنح حروفها حقها في النطق والإلقاء،
فإننا لا نشاهد مجرد موهبة صغيرة، بل نشاهد ثمرة تستحق الرعاية والتشجيع، ونموذجاً يبعث على التفاؤل بمستقبل جيل قادر على الجمع بين الأصالة والتطور.
واجهة مشرقة للطفولة المصرية، ورسالة حضارية تؤكد أن التفوق ليس حكراً على الكبار،
وأن العظمة قد تبدأ بصوت طفلة تعرف قيمة لغتها، وتحترم حروفها، وتدرك أن اللغة ليست مجرد وسيلة للكلام،
بل وعاء للهوية وذاكرة للأمة وجسر يصل الماضي بالحاضر والمستقبل.
ومن هنا، فإن استحقاقها لقب بطلة مصر في القراءة باللغة العربية ليس مجرد تكريم لموهبة تستحق الإشادة،
بل هو تقدير لقيمة ثقافية وتربوية نحتاج إلى ترسيخها في وجدان أبنائنا.
تحية تقدير وفخر واعتزاز لميار محمد، ولأسرتها التي دعمت موهبتها، ولكل يد ساهمت في صقل هذا التميز.
رسالتي لطفلتى الحبيبة…..
ميار.. لا تجعلي حروفك تتوقف عند حدود المسابقة، بل اجعليها بداية لطريق طويل من العلم والإبداع.
فالأوطان لا تصنع مستقبلها بالإنجازات المادية وحدها، وإنما تصنعه أيضاً بعقول أطفالها، وبألسنة تحفظ لغتها، وقلوب تعتز بهويتها.
فإذا كانت الأمم تُعرف بتاريخها، فإن مستقبلها يُقرأ في عيون أطفالها.. وأنتى ياطفلتي واحدة من تلك العيون التي تستحق أن نرى فيها الأمل.

