الحضارة تبدأ من طابور الحافلة.. احترام القانون يبدأ من الفرد
الرئيسية » الحضارة تبدأ من طابور الحافلة
مقالات

الحضارة تبدأ من طابور الحافلة

كتب المقال بواسطة أ/
*/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

الحضارة تبدأ من طابور الحافلة

بقلم: عبد المجيد عبوبي

نحن أمة تتقن الخطاب الأخلاقي الكبير. نجلس في المقاهي نشرح سقوط الحضارات، ونحلل مصير الأمم، ونتحدث عن النزاهة والإصلاح بلسان الحكماء.

ثم نخرج من المقهى، فنرمي عقب السيجارة في الشارع، ونشتكي من الفساد، ونقبل «الهدية» حين تتيح لنا الفرصة.

هنا تكمن هشاشتنا الحقيقية: في المسافة بين ما نؤمن به، وما نمارسه في تفاصيل حياتنا اليومية.

فالإنسان الذي يتعامل مع الشارع والمرافق كأنها لا تخصه، أو يتجاوز الطابور بحجة الاستعجال، لا يخالف القانون فقط؛ إنه يعتبر القاعدة خصمًا له.

وهكذا صارت ثقافة الاستثناء أصلًا سائدًا: القانون للآخرين، والمعرفة والوساطة لنا. وفي هذه اللحظة تتراجع المواطنة أمام المصلحة الفردية الضيقة.

أما سبب هذا التصدع، فهو حيلة خفية للهروب من توتر التعارض بين أفعالنا وقيمنا. ولأن الاعتراف بالخطأ صعب، لا نغيّر السلوك، بل نغيّر الاسم:

  • تسمى الرشوة هدية.
  • وتسمى المحسوبية مساعدة.
  • وتسمى تجاوز القانون شطارة.

تتغير الأسماء، ويبقى الجرم كما هو. وبهذه التبريرات يمنح الإنسان نفسه مخرجًا أخلاقيًا مريحًا، فيواصل الخطأ دون شعور حقيقي بالمسؤولية.

يُقال إن العرب لا يُخاف منهم ما جمعوا من سلاح وعتاد، بل يوم يراهم الناس يصفّون في طابور الحافلة. وفي هذه الصورة خلاصة بناء الأمم:

فالقوة ليست في العتاد وحده، بل في قدرة المجتمع على احترام قواعده المشتركة، وإدراك أن حق الآخر يبدأ حين نتوقف عن جعل مصلحتنا أولوية مطلقة.

المشكلة أننا نريد دولة تحارب الفساد، مع احتفاظنا بحق الاستفادة منه حين يخدمنا. ونريد مؤسسات عادلة، بينما نبحث عن واسطة تختصر الطريق.

ونلوم الظروف والشماعات الكبرى، وننسى نصيب سلوكنا اليومي من الأزمة.

ربما حان الوقت كي نتوقف عن انتظار الحضارة كحلم بعيد، ونبدأ بمساءلة الإنسان الذي نصنعه كل يوم بسلوكنا واختياراتنا.

فالأمة التي تطمح إلى غدٍ مختلف، لا تحتاج أولًا إلى خطب أكثر، بل إلى أفراد يمارسون في واقعهم البسيط ما يطالبون به الآخرين به.

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾.

فالتغيير لا يبدأ من فوق، ولا من الخطاب وحده، بل من طابور الحافلة، ومن اليد التي لا ترمي النفاية في الشارع، ومن الضمير الذي يرفض أن يسمّي الرشوة هدية، والمحسوبية مساعدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *