عمار عبد الواحد.. شاعر عراقي يكتب وجع الوطن ويبحث عن الخلود في القصيدة
حوار: عبد المجيد عبوبي – المغرب
من المغرب الأقصى، نفتح نافذة أدبية على التجربة الشعرية العراقية، من خلال حوار مع الشاعر والكاتب والصحفي العراقي عمار عبد الواحد،
الذي عاش تحولات بلاده وتقلباتها، فانعكست أوجاع العراق في وجدانه، وتحولت إلى ملامح إنسانية وفكرية واضحة في قصيدته.
في هذا الحوار، نقترب من عالم شاعر يرى أن الشعر ليس مجرد كلمات تُكتب، وإنما تجربة إنسانية تتشكل من الذاكرة والوجع والأمل،
ويبحث من خلاله عن المعنى وسط عالم تتسارع فيه الأحداث وتتراجع فيه مساحات التأمل.
عمار عبد الواحد.. بين الصحافة والشعر
عمار عبد الواحد كاتب وصحفي عراقي، يهوى كتابة الشعر والنقد الأدبي، ويعمل في الأساس بالصحافة، بينما يظل الشعر والأدب شغفًا إنسانيًا يرافقه.
وكانت بداياته الأولى مع الشعر الشعبي، قبل أن تتسع تجربته الأدبية وتتعدد اهتماماته.
العراق.. وطن يعيد تشكيل وجدان الشاعر
وعن تأثير التحولات السياسية والاجتماعية والنفسية التي شهدها العراق في تجربته الشعرية،
يرى عبد الواحد أن التحول العراقي لم يكن مجرد أحداث تُدوّن في كتب التاريخ، بل تجربة يومية تعيد تشكيل الوجدان الإنساني.
ويؤكد أن تأثير هذه التحولات لم يقتصر على رصد الخراب أو التقاط صور المأساة، وإنما امتد ليصبح جزءًا عميقًا من طريقة التفكير والرؤية،
موضحًا أن الشعر في الحالة العراقية لا يملك ترف الحياد أو مراقبة العالم من نافذة معزولة.
ويظهر هذا التأثير، بحسب رؤيته، في الحيرة الدائمة بين التشبث بالأمل وتأمل المأساة،
وفي لغة أصبحت تميل إلى الرمز، بحثًا عن منافذ تحمي النص من الجفاف العاطفي، وتمنحه نفسًا يتردد بين الخوف والنجاة.
ومع ذلك، يؤمن الشاعر بأن العراق استرد عافيته وعاد بقوة، مستحضرًا العبارة التي ارتبطت بالشاعر الكبير عبد الرزاق عبد الواحد: «هو العراق».
القارئ الغائب في لحظة الكتابة
وعن وجود قارئ مفترض أثناء كتابة القصيدة، يوضح عبد الواحد أن القارئ يغيب تمامًا في مرحلة التكوين الأولى للنص،
لأن استحضاره في تلك اللحظة قد يتحول إلى رقيب يكبح تلقائية الكتابة.
فالقصيدة، في نظره، تبدأ بانغماس كامل في أعماق الذات ومحاولة تفكيك أسئلتها الشائكة، لكن الأمر يتغير بعد اكتمال البناء الأولي،
حين تبدأ مرحلة التهذيب والصقل، ويستيقظ وعي آخر يرى القارئ شريكًا مجهولًا في التساؤل والدهشة، دون استرضائه أو التعالي عليه.
المرأة.. ليست موضوعًا للكتابة بل زاوية للرؤية
تحتل المرأة مساحة مركزية في تجربة عمار عبد الواحد، فهو لا يحصر حضورها في الجمال العابر أو الرومانسية التقليدية،
بل يراها معادلًا أساسيًا للكينونة والاستمرار في مواجهة الخراب والعدم.
ويصفها بأنها قوة تكوين تمنح الأشياء أسماءها ولغتها، مؤكدًا أن المرأة ليست مجرد موضوع يكتب عنه،
وإنما زاوية يرى من خلالها العالم، ويحاول ترميمه واستعادة الطمأنينة المفقودة.
ويختصر علاقته الرمزية بالمرأة في كلمة واحدة: «انتظار».
وفي منجزه الأدبي، تمثل المرأة مركز الثقل الذي تتجمع حوله انشغالاته، والركيزة التي تقاوم التلاشي، والجسر الذي تعبر من خلاله الذات انكساراتها ومتاهات الواقع.
الغربة.. اقتلاع داخلي لا تحدده الجغرافيا
وعن انعكاس الغربة في قصائده، يذهب الشاعر إلى أن الغربة أعمق من مجرد الابتعاد عن المكان أو الانفصال عن الجغرافيا؛
فهي حالة من الاقتلاع الداخلي، وشعور دائم بوجود مسافة بين الروح ومحيطها.
وقد يعيش الإنسان هذه الغربة حتى وهو يقف في الشارع الذي وُلد فيه، حين تختلف قيم محيطه وفلسفته في الحياة عن قناعاته الشخصية.
وتنعكس هذه الحالة في النص من خلال نبرة الريبة والبحث المستمر عن مأوى افتراضي داخل اللغة.
ويضيف أن الغربة ليست مرحلة زمنية تنتهي بالعودة أو الاستقرار، بل قد تصبح قدرًا من أقدار الوعي الإنساني الذي يتأمل اغتراب الإنسان في هذا العالم.
القصيدة في مواجهة عصر السرعة والرقمنة
وفي زمن تفرض فيه الشاشات إيقاعها السريع، وتتحول فيه المشاعر أحيانًا إلى محتوى سريع الاستهلاك، يرى عبد الواحد أن الشعر مطالب بالحفاظ على منطق مختلف، قوامه التأني والتأمل والإنصات الداخلي.
فهو لا يرى أن القصيدة مطالبة بمنافسة الشاشة في سرعتها أو إبهارها البصري، وإنما تراهن على الكلمة التي تستوقف القارئ،
وتدعوه إلى التوقف والتقاط أنفاسه وسط الضجيج الرقمي، واستعادة إنسانيته المهددة بسطوة الآلة.
خيانة القصيدة.. حين يخضع الشاعر للمألوف
وعن اللحظة التي يشعر فيها الشاعر بأنه خان قصيدته، يوضح عبد الواحد أن الخيانة لا تعني التوقف عن الكتابة،
بل تعني مجاملة المألوف والخضوع لما هو مطلوب على حساب صدق التجربة.
فحين يستسلم الشاعر للغة سهلة مستهلكة ومكررة، أو يفرغ نصه من محتواه الإنساني بحثًا عن استحسان عابر، فإنه يكون قد ابتعد عن روح القصيدة.
ويعترف بأن الشاعر قد يقع أحيانًا في مثل هذه العثرات، حين يتوهم أنه أتم نصًا، بينما لا يكون النص سوى صدى لتجارب أخرى،
لكن الوعي بهذه الأخطاء هو ما يعيده إلى طريق الصدق الوجداني.
الشاعر الأقرب إليه.. النص قبل الأسماء
وعندما سُئل عن الشعراء الأقرب إلى تجربته، لم يتوقف عبد الواحد عند اسم واحد،
بل أشار إلى تجارب شعرية تركت أثرًا واضحًا في وجدانه، وفي مقدمتها المتنبي والحبوبي والجواهري وعبد الرزاق عبد الواحد.
لكنه يؤكد أن الشاعر الأقرب إليه في النهاية هو صاحب النص القادر على ملامسة حقيقة مجهولة في داخله، بعيدًا عن الادعاء والتكلف والاستعراض اللغوي.
فما يبحث عنه هو الشعر الذي يحمل وعيًا جريحًا وصدقًا مطلقًا، ويدافع عن نبل الإنسان ويرفض الانسياق خلف القوالب الجاهزة.
الخلود الأدبي.. أن تظل القصيدة حية
وفي حديثه عن معيار الخلود الأدبي، يرفض عبد الواحد ربطه بالأضواء أو كثرة النشر أو اعتلاء المنصات،
مؤكدًا أن الخلود الحقيقي يكمن في قدرة القصيدة على البقاء مؤثرة وطازجة عبر الأجيال، وكأنها كُتبت للتو.
فالعمل الأدبي الخالد، في رأيه، هو الذي يحمل تعقيدًا إنسانيًا صادقًا، ويظل قابلًا للتأويل والاكتشاف، دون أن يفقد بريقه بتغير الأذواق أو مرور الزمن.
الإيقاع الداخلي.. نبض الفكرة وروح النص
أما عن الإيقاع الداخلي في قصائده، فيراه أبعد من القواعد العروضية والهندسة الخارجية للألفاظ، فهو النبض الخفي الذي يسري في دم الفكرة والكلمة.
ويترك الشاعر للنص حرية التنفس وتحديد تدفقه وفقًا لشدة الحالة الشعورية، مؤمنًا بأن الإيقاع الرصين هو الذي يفرض نفسه بعفوية ودون افتعال،
ليصل إلى المتلقي باعتباره جزءًا أصيلًا من المعنى، ويحرك داخله شجنًا خافتًا.
متى يكون الشاعر بخير؟
وفي إجابة تحمل الكثير من فلسفته تجاه الكتابة والإبداع، يرى عبد الواحد أن الشاعر يكون بخير عندما يمتلك شجاعة التعبير الكامل،
دون حسابات جانبية أو تدخلات تفرض عليه التنازل عن صوته الحقيقي.
ويكون بخير أيضًا عندما يشعر أن كلماته ما زالت قادرة على فتح أفق جديد في مياه الركود، وأن صوته الصادق وصل إلى قلب إنسان آخر،
وأحدث فيه فارقًا ولو كان طفيفًا، أو منحه عزاءً لم يكن يتوقعه.
رسالة الشاعر العراقي.. لسنا حراس مقابر بل صناع رجاء
وفي ختام الحوار، يوجه عمار عبد الواحد رسالة بصوت الشاعر العراقي،
مؤكدًا أن العراق، رغم ما مر به من أوجاع وتحولات، لا يزال وطنًا حافلًا بالأمل، ويستحق أن يُرى من خلال سعة روحه وجمال تطلعاته، لا من خلال مآسيه وحدها.
ويشدد على أن الشاعر العراقي ليس حارس مقابر ولا مكسور الجناح، بل هو صانع للرجاء وشاهد على قدرة الإنسان على الابتكار والاستمرار رغم قسوة الظروف.
كلمة أخيرة
يكشف هذا الحوار عن شاعر لا يتعامل مع القصيدة باعتبارها مساحة للبوح فقط، بل باعتبارها موقفًا من الحياة والإنسان والوطن.
ففي عالم عمار عبد الواحد، تظل المرأة رمزًا للاستمرار، والغربة سؤالًا مفتوحًا، والعراق ذاكرة لا تنطفئ،
بينما يبقى الشعر محاولة دائمة لاستعادة الإنسان وسط ما يحيط به من انكسارات.
وربما تختصر رؤيته للكتابة حقيقة تجربته كلها: أن القصيدة لا تُقاس بما تحمله من كلمات، وإنما بما تتركه من أثر في روح من يقرؤها.

