غَمامٌ على وجهِ الشمس
بقلم/ د. سامي حامد
لم تكن مشكلة الشباب يومًا في أنهم لا يملكون الوقت، بل في أنهم لا يعرفون قيمة الوقت. ولم تكن أزمتهم في قلة الأحلام، بل في كثرة الأشياء التي تسرق منهم القدرة على الحلم.
جيلٌ وُلد في زمنٍ لم يعد فيه العالم بعيدًا؛ بضغطة إصبع يصل الخبر، وبلمسة شاشة يصل الصوت والصورة، وفي دقائق يستطيع الشاب أن يرى ما كان يحتاج إلى سنوات ليعرفه.
لكن المفارقة المؤلمة أن هذا الانفتاح الهائل لم يجعل الإنسان أكثر معرفة بالضرورة، بل جعله أحيانًا أكثر تشتتًا، وأكثر انشغالًا بما لا ينفع.
كأن التكنولوجيا التي كان يُفترض أن تكون نافذةً على العالم، تحولت عند كثيرين إلى جدارٍ يحجب عنهم أنفسهم.
يمضي الشاب ساعات طويلة بين مقطعٍ ومقطع، وأغنيةٍ وأغنية، وصورةٍ وأخرى، يتنقل بين حياة الآخرين حتى ينسى أن له حياةً تنتظره.
يضحك مع شاشة، ويحزن مع أغنية، ويتأثر بكلمات عابرة، ثم يكتشف في نهاية اليوم أن عمرًا صغيرًا من عمره قد مرّ دون أن يضيف إلى نفسه علمًا، أو خلقًا، أو تجربة، أو إنجازًا.
وليس العيب في الأغنية ذاتها، ولا في الهاتف، ولا في التكنولوجيا، ولا في وسائل التواصل؛ فالأشياء في ذاتها أدوات، وإنما الخطر حين يتحول الوسيلة إلى غاية، والترفيه إلى حياة، واللغو إلى عادة، والوقت الضائع إلى أسلوب عيش.
وهنا يصبح الشباب كالشمس التي لم تنطفئ، لكنها لم تعد تُرى؛ لأن غمامًا كثيفًا وقف بينها وبين الأرض.
غمامٌ على وجه الشمس
الشمس موجودة، والدفء موجود، والنور موجود، والقدرة موجودة، لكن شيئًا ما يحجب كل ذلك.
والشباب هو أجمل مراحل القوة والعطاء. فيه طاقة الجسد، واندفاع الروح، واتساع الحلم، وقابلية التعلم، والقدرة على صناعة المستقبل.
ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان أن تمر سنوات شبابه دون أن يسأل نفسه: ماذا صنعت؟ وماذا تعلمت؟ وماذا تركت خلفي؟
إن العمر لا يتوقف لأننا مشغولون، ولا يعود لأننا ندمنا.
وقد أقسم الله تعالى بالزمن فقال:
﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾
ثم بيّن طريق النجاة: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر.
وكأن السورة القصيرة جدًا تضع أمام الإنسان معادلة الحياة كلها: الوقت رأس مال، ومن يضيعه يخسر.
وليس معنى ذلك أن يعيش الشاب حياته في عبوس، أو أن يعتزل الفرح، أو أن يحرم نفسه من الترفيه.
الإسلام لم يجعل الحياة سجنًا، لكنه أراد للإنسان أن يعرف الفرق بين الراحة التي تعينه على الطريق، والراحة التي تجعله ينسى الطريق.
هناك فرق بين أن تستعمل الهاتف، وبين أن يستعملك الهاتف.
فرق بين أن تسمع أغنية، وبين أن تصبح الأغاني هي اللغة التي تفكر بها.
فرق بين أن تدخل مواقع التواصل لبعض الوقت، وبين أن تتحول حياتك إلى متابعة حياة الآخرين.
وفرق هائل بين أن تبحث عن المتعة، وبين أن تجعل المتعة هي الهدف الوحيد من وجودك.
لقد أصبح بعض شبابنا يعرف أسماء المشاهير أكثر مما يعرف أسماء العلماء، ويحفظ كلمات الأغاني أكثر مما يحفظ من كتاب الله، ويتابع تفاصيل حياة أشخاص لا يعرفونه ولا يعرفونه، بينما تمر أيامه هو دون أن يكتب فيها سطرًا واحدًا من قصة نجاحه.
وهنا لا بد أن نسأل السؤال الأصعب:
ماذا سيبقى منك عندما تنطفئ الشاشة؟
ماذا سيبقى عندما ينتهي الإنترنت؟
ماذا سيبقى عندما تتوقف الأغنية؟
ماذا سيبقى عندما يغادر المتابعون؟
هل سيبقى علم تعلمته؟
هل سيبقى خلق زرعته؟
هل سيبقى إنسان ساعدته؟
هل سيبقى أثر طيب تركته؟
هل سيبقى عمل صالح بينك وبين الله؟
أم ستكتشف أنك كنت حاضرًا في كل شيء، إلا في حياتك؟
لقد وصف القرآن عباد الرحمن وصفًا بليغًا حين قال:
﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾
ثم قال:
﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا
ليست القضية أن الإنسان لن يمر باللغو؛ فاللغو موجود في كل زمان، لكن القضية كيف يمر به.
يمر الكريم دون أن يسكن إليه.
يرى ولا يقلد كل ما يرى.
يسمع ولا يصدق كل ما يسمع.
يعرف أن ليس كل مشهور قدوة، وليس كل منتشر حقًا، وليس كل ما يثير الضحك يستحق أن يمنحه من عمره دقائق، وليس كل ما يملأ الشاشة يستحق أن يملأ القلب.
إن أخطر ما فعلته التكنولوجيا أنها جعلت الضوضاء قريبة جدًا من الإنسان، حتى أصبح يحتاج إلى قوة داخلية كبيرة كي يسمع صوته هو.
صوت ضميره.
صوت عقله.
صوت فطرته.
وصوت القرآن حين يقول له: انتبه… إن العمر يمضي.
يا شباب اليوم…
لا تجعلوا هواتفكم مقابر صغيرة لأحلامكم.
لا تجعلوا ساعاتكم الطويلة في التصفح تأكل سنواتكم القصيرة في الحياة.
لا تسمحوا لكلمات أغنية عابرة أن تكتب لكم فلسفة الحياة.
ولا تجعلوا شهرة الآخرين سببًا في نسيان رسالتكم.
أنتم لستم خُلقتم لتكونوا جمهورًا دائمًا لحياة غيركم؛ أنتم خُلقتم لتكون لكم حياة تستحق أن تُعاش، ورسالة تستحق أن تُحمل، وأثر يستحق أن يبقى.
فاغلق الشاشة أحيانًا، وافتح كتابًا.
اترك الهاتف، واجلس مع أبيك وأمك.
أطفئ الضجيج، واسمع قلبك.
تعلم شيئًا جديدًا.
مارس عملًا نافعًا.
ابنِ جسدك وعقلك وشخصيتك.
احفظ من القرآن.
صلِّ بخشوع.
اصنع حلمًا.
واسعَ إليه.
فالزمن لا ينتظر أحدًا.
والشباب لا يعود.
والفرص لا تقف طويلًا أمام الأبواب.
وفي النهاية، سيأتي يوم تنظر فيه إلى الوراء، ولن تسأل نفسك كم أغنية سمعت، ولا كم ساعة قضيت أمام الشاشة، ولا كم شخصًا تابعت.
ستسأل:
ماذا فعلت بعمري؟
وعندها لن يكون أمامك إلا إجابة واحدة؛ إما أن ترى شمسًا أشرقت من بين الغمام، أو أن تكتشف أن الغمام ظل فوقها حتى غربت.
فلا تجعلوا الغمام على وجه الشمس طويلًا…
فالشمس التي تُحجب اليوم، قد تغيب غدًا،
والعمر الذي تضيعه الآن، لن تستطيع استعادته مهما تمنيت.
والنجاة ليست في أن نهرب من عصر التكنولوجيا، بل في أن نعيش فيه دون أن نسمح له أن يعيش داخلنا.
أن نمتلك الهاتف دون أن يمتلكنا.
أن نستمتع دون أن نضيع.
أن نعرف الجديد دون أن ننسى الأصيل.
أن نعيش عصرنا، لكن دون أن نفقد أنفسنا.
فالشمس لا تحتاج إلى أن تُخلق من جديد…
إنما تحتاج فقط إلى أن ينزاح الغمام .



