الأبيض والأسود: من اختار ألوان أحزاننا؟
بقلم: عبد المجيد عبوبي
لماذا نرى الأبيض رمزًا للنقاء والصفاء، بينما نربط الأسود بالحزن والظلام؟ ولماذا يرتدي الإنسان الأسود حدادًا في مجتمعات عربية كثيرة،
في حين يحضر الأبيض في طقوس التكفين؟ هل يحمل اللون معناه في ذاته، أم أننا نحن الذين منحناه هذه الدلالات، ثم ورثناها جيلًا بعد جيل؟
أسئلة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تفتح بابًا واسعًا للتأمل في علاقة الإنسان بالثقافة والذاكرة والرموز.
من منظور أنثروبولوجي، تكشف طقوس الحداد أن الألوان ليست مجرد ظاهرة بصرية، بل جزء من منظومة رمزية وثقافية تتوارثها المجتمعات، وتمنحها معاني ترتبط بالموت والحياة والفرح والفقد.
ومن منظور نفسي، تتداخل الألوان مع مشاعر الإنسان وتجربته الشخصية، بينما تدرس السيميائيات كيف تتحول الألوان من مجرد عناصر بصرية إلى علامات تحمل دلالات تتجاوز شكلها المادي.
لكن المفارقة أن اللون الواحد قد يحمل معاني متناقضة من ثقافة إلى أخرى، بل قد يجمع بين دلالات مختلفة داخل المجتمع نفسه.
فالأبيض الذي يرمز إلى الفرح والبدايات الجديدة في بعض المناسبات، يحضر أيضًا في طقوس الموت والتكفين.
والأسود الذي يستحضر الحزن لدى كثيرين، قد يرمز في سياقات أخرى إلى الأناقة والقوة والوقار والهيبة.
وهنا يصبح السؤال أعمق من اللون نفسه: كيف نصنع الرموز، ثم نتعامل معها كما لو كانت حقائق طبيعية لا تقبل النقاش؟
يمكننا، انطلاقًا من أفكار الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو حول العلاقة بين المعرفة والسلطة، أن نتأمل كيف تتحول بعض التصنيفات التي يصنعها التاريخ والمجتمع إلى معانٍ تبدو بديهية، رغم أنها ليست كذلك بالضرورة.
فالمعاني لا تنشأ دائمًا بصورة عفوية، بل قد تتشكل داخل أنظمة ثقافية واجتماعية تحدد ما يُقبل وما يُرفض، وما يُنظر إليه باعتباره طبيعيًا أو مختلفًا.
وقد تجاوزت ثنائية الأبيض والأسود عالم الألوان، حين استُخدمت تاريخيًا في بعض المجتمعات لتأسيس تصنيفات عنصرية وترتيب البشر على أساس لون بشرتهم،
وكأن اللون يمكن أن يكون معيارًا للقيمة الإنسانية أو التفوق أو الدونية.
وهنا تكمن المفارقة الأخلاقية الأهم: فاللون لا يحمل حكمًا أخلاقيًا في ذاته، لكن الإنسان يستطيع أن يمنحه معنى، ثم يستخدم ذلك المعنى للحكم على الآخرين.
وبذلك تتحول العلامة البصرية إلى أداة للتمييز، ويتحول الاختلاف الطبيعي إلى تصنيف اجتماعي ظالم.
ومن المغرب إلى مصر، ومن العالم العربي إلى ثقافات أخرى، تتباين رموز الحداد وتختلف دلالات الألوان.
فما يُعبّر عن الحزن في مجتمع قد لا يحمل الدلالة نفسها في مجتمع آخر.
وهذا الاختلاف يكشف أن الإنسان لا يرى العالم بعينيه فقط، بل يراه أيضًا من خلال ثقافته وذاكرته وتجربته وما ورثه عن الآخرين.
وربما لا تكون المشكلة في الأبيض والأسود، ولا في الألوان ذاتها، بل في قدرتنا على تحويل الرموز إلى أحكام،
والاختلاف إلى تصنيفات، والمعاني المتوارثة إلى حقائق لا نجرؤ على مساءلتها.
فالألوان في نهاية الأمر لا تتكلم وحدها؛ نحن من يمنحها اللغة، ونحن من يحمّلها مخاوفه وأفراحه وأحزانه، وأحيانًا أحكامه المسبقة.
فهل نرى الألوان كما هي، أم نرى فيها تاريخنا ومخاوفنا وما ورثناه عن الآخرين؟

