العباسية.. من أطراف القاهرة إلى حيّ صنعته حكايات التاريخ
كتبت: داليا حسام
إحنا اتعودنا في حكايات القاهرة القديمة إن كل شارع له سر، وكل اسم وراه حكاية، وإن المباني اللي بنعدّي عليها كل يوم ممكن تكون شاهدة على أحداث غيّرت تاريخ البلد.
لكن المرة دي مش هنقف عند شارع أو سوق، هنحكي عن حي كامل، منطقة كانت يومًا على أطراف القاهرة، ومرت عليها عصور وأحداث وشخصيات، لحد ما بقت واحدة من أشهر مناطق العاصمة.
حكايتنا النهارده عن العباسية.. الحي اللي ممكن ناس كتير تعرفه بسبب جامعة عين شمس ومستشفياته وشوارعه المزدحمة،
لكن قليل يعرفوا إنه كان في يوم من الأيام أرضًا مفتوحة خارج الكتلة العمرانية للقاهرة، وشهد واحدة من المعارك الفاصلة في تاريخ مصر،
ثم تحوّل في القرن التاسع عشر إلى منطقة جديدة للقصور والثكنات العسكرية والمدارس.
قبل العباسية.. أرض الريدانية والحصوة
قبل ما نعرف المنطقة باسم العباسية، كانت بعيدة عن شكل القاهرة اللي نعرفه دلوقتي.
وتذكر بوابة محافظة القاهرة أن المنطقة كانت تُعرف بصحراء الريدانية، وتنسب الاسم إلى ريدان الصقلي، أحد أفراد حاشية الخليفة الفاطمي العزيز بالله.
وفي روايات أخرى يظهر اسم «الحصوة» عند الحديث عن المنطقة، وهو اسم ارتبط بطبيعتها الأرضية وبالحصى والزلط.
وتختلف الروايات في أسماء المواضع القديمة وحدودها، لذلك من المهم ألا نعتبر كل هذه الأسماء مترادفات مؤكدة لمكان واحد بالحدود نفسها،
لكن الثابت أن المنطقة كانت خارج العمران الكثيف للقاهرة، وأنها ارتبطت بأرض الريدانية في التاريخ العسكري المصري.
وهنا نصل إلى واحدة من أهم المحطات في حكاية المكان.
معركة الريدانية.. يوم تغيّر فيه تاريخ مصر
في 22 يناير سنة 1517، شهدت منطقة الريدانية معركة من المعارك الفاصلة في تاريخ مصر، بين الجيش المملوكي بقيادة السلطان طومان باي، والجيش العثماني بقيادة السلطان سليم الأول.
كانت الدولة المملوكية وقتها تواجه خطرًا كبيرًا بعد تقدم العثمانيين نحو مصر، وحاول طومان باي الاستعداد للمواجهة،
فأقام جيشه تحصينات وخندقًا لمواجهة القوات القادمة. لكن المعركة انتهت بانتصار العثمانيين،
وكانت بداية النهاية لحكم دولة المماليك في مصر، التي أصبحت بعد ذلك ولاية تابعة للدولة العثمانية.
ولم تنتهِ الحكاية عند المعركة؛ فقد ظل طومان باي يقاوم بعد دخول العثمانيين القاهرة، قبل أن يقع في الأسر، ويُعدم شنقًا على باب زويلة سنة 1517.
تخيّل إن الأرض اللي نعرفها اليوم باسم العباسية كانت قريبة من مسرح أحداث غيّرت شكل الحكم في مصر،
وإن اسم الريدانية ارتبط بواحدة من اللحظات الفاصلة بين عصرين كبيرين من تاريخ البلاد.
عباس حلمي الأول.. بداية فصل جديد
بعد قرون من تلك الأحداث، بدأت المنطقة تدخل مرحلة مختلفة تمامًا.
في سنة 1848 تولى عباس حلمي الأول حكم مصر، وهو أحد حكام أسرة محمد علي، واستمر حكمه حتى سنة 1854.
ومع عهده بدأت مرحلة جديدة من تعمير المنطقة، التي كانت تقع على أطراف القاهرة.
قرر عباس حلمي الأول إنشاء ثكنات عسكرية للجيش المصري في المنطقة، وشجّع على تعميرها ومنح الأراضي للراغبين في البناء،
كما ارتبط اسمه بإنشاء منشآت خدمية وقصر كبير في تلك الناحية.
ومن هنا ارتبط اسم المنطقة باسم عباس حلمي الأول، وأصبحت تُعرف بالعباسية.
وتنقل الروايات عن المهندس الفرنسي فرديناند ديليسبس وصفًا لقصر عباس حلمي الأول، قيل فيه إن عدد نوافذه بلغ ألفي نافذة، حتى بدا كأنه مدينة كاملة وسط الصحراء.
والوصف، حتى لو لم يكن قياسًا معماريًا دقيقًا، يعطينا صورة عن ضخامة القصر في نظر من شاهده في ذلك الوقت.
وهكذا بدأت المنطقة تخرج تدريجيًا من عزلتها، ولم تعد مجرد أرض مفتوحة على أطراف القاهرة، بل أصبحت مكانًا تتجه إليه منشآت الدولة والعمران الجديد.
في عهد الخديو إسماعيل.. العباسية تتحول إلى منطقة عسكرية وتعليمية
لو كان عهد عباس حلمي الأول هو بداية التعمير، فإن عهد الخديو إسماعيل شهد توسعًا واضحًا في المنشآت العسكرية والتعليمية بالمنطقة.
فقد أُنشئت مدارس متخصصة لتدريب أفراد الجيش، من بينها مدرسة البيادة للمشاة سنة 1864، ومدرسة السواري للفرسان،
ومدرسة الطوبجية للمدفعية سنة 1865، إلى جانب مدرسة أركان حرب ومدرسة المهندسخانة.
وكان اختيار المنطقة منطقيًا بالنسبة لطبيعة هذه المنشآت؛
فالمساحات المفتوحة كانت تسمح بالتدريب العسكري والمناورات والتدريبات التي يصعب تنفيذها داخل شوارع القاهرة المزدحمة.
كما ارتبطت العباسية بميدان لسباقات الخيول ومناطق للتدريب والرماية، فتحولت إلى مساحة تجمع بين المنشآت العسكرية والتعليمية والحياة الجديدة التي بدأت تظهر حولها.
ومن العلامات المعمارية المهمة في هذه المرحلة سراي الزعفران، التي ارتبط اسمها بزهرة الزعفران التي كانت تنمو في المنطقة.
وأصبحت السراي واحدة من أشهر مباني العباسية التاريخية، قبل أن تتغير وظيفة المكان مع مرور الزمن، وتصبح مقرًا إداريًا لجامعة عين شمس.
العباسية وشهادة على بدايات الحركة الوطنية
ولم تكن العباسية مجرد مكان لتدريب الجنود وتعليم الضباط؛ فقد شهدت أيضًا أحداثًا مهمة في الحياة السياسية المصرية.
ففي 18 فبراير سنة 1879، اجتمع نحو 600 ضابط مصري في ثكنات الجيش بالعباسية،
ثم خرجوا في مظاهرة عسكرية احتجاجًا على التدخل الأجنبي في شؤون البلاد،
وشارك معهم طلاب من المدارس العسكرية وبعض الجنود وعدد من أعضاء مجلس شورى النواب.
وتوجهت المظاهرة إلى مقر وزارة المالية في لاظوغلي، ووقعت أحداث عنيفة مع رئيس النظار نوبار باشا والمفتش الأجنبي ويلسون،
وانتهت الأزمة بسقوط وزارة نوبار في اليوم التالي.
كانت هذه الواقعة واحدة من المحطات التي كشفت عن تصاعد الاعتراض على التدخل الأجنبي،
وعن الدور الذي بدأ يلعبه الضباط المصريون في الحياة العامة، قبل الأحداث الكبرى التي شهدتها مصر لاحقًا في عهد الثورة العرابية.
ومن هنا نكتشف أن العباسية لم تكن فقط منطقة عسكرية، لكنها كانت أيضًا جزءًا من مشهد سياسي أوسع، شهد تحولات مهمة في علاقة الجيش بالسلطة والتدخل الأجنبي.
من الثكنات إلى الجامعات والمستشفيات
ومع مرور الوقت، اتسعت العباسية وتغيرت طبيعة الحياة فيها. لم تعد المنطقة مرتبطة بالجيش وحده،
بل أصبحت تضم مؤسسات تعليمية وطبية ودينية مهمة، وبدأت ملامح الحي السكني تتشكل بصورة أكبر.
ومن أبرز المحطات في تاريخها إنشاء مستشفى الدمرداش سنة 1928، بتبرع من عبد الرحيم الدمرداش باشا، الذي خصص أموالًا وأرضًا لإقامة مستشفى خيري يخدم المرضى.
وافتُتح المستشفى سنة 1931، ليصبح واحدًا من المؤسسات الطبية المهمة في المنطقة، ثم ارتبط لاحقًا بتاريخ كلية طب عين شمس.
أما كلية الطب فأنشئت سنة 1947، وكانت تُعرف في بدايتها باسم كلية طب الدمرداش، ثم انضمت إلى جامعة عين شمس سنة 1950.
وهنا يظهر جانب آخر من تطور العباسية؛ فالمكان الذي ارتبط في البداية بالثكنات والتدريب العسكري،
أصبح مع الوقت مركزًا للتعليم والطب، ووجهة لآلاف الطلاب والمرضى والأسر من مختلف أنحاء مصر.
ومع تأسيس جامعة عين شمس سنة 1950، اتسع الدور التعليمي للمنطقة، وأصبحت الجامعة واحدة من أهم المؤسسات التي ارتبط اسمها بالعباسية في ذاكرة أجيال متعاقبة.
حيّ احتفظ بذاكرة ناسه
ومع كل هذه التحولات، ارتبطت العباسية بأسماء شخصيات مصرية بارزة عاشت فيها أو ارتبطت بتاريخها،
من بينهم الرئيس جمال عبد الناصر، والفريق عبد المنعم رياض، والمشير عبد الحكيم عامر، إلى جانب فنانين وشخصيات عامة.
كما ارتبطت المنطقة بذاكرة أدبية وثقافية، وظهرت في أعمال وحكايات تناولت القاهرة وأحياءها،
ومن أشهر الأماكن التي تستدعي هذه الذاكرة مقهى قشتمر، الذي ارتبط اسمه بعالم نجيب محفوظ الأدبي.
ومع اتساع العمران، تغيرت ملامح العباسية من منطقة هادئة على أطراف القاهرة إلى حي مزدحم بالحركة والمؤسسات والطرق الرئيسية.
لكن وسط هذا التغيير، فضلت أسماء الأماكن وبعض مبانيها القديمة تحتفظ بجزء من الحكاية الأولى.
العباسية.. أكثر من مجرد اسم على خريطة
لما نرجع لحكاية العباسية من البداية، نكتشف إننا أمام أكثر من مرحلة في تاريخ مكان واحد؛ أرض ارتبطت بالريدانية ومعركة غيّرت حكم مصر،
ثم منطقة بدأ تعميرها في عهد عباس حلمي الأول، وبعدها أصبحت مركزًا للمنشآت العسكرية والتعليمية في عهد الخديو إسماعيل،
ثم اتسعت فيها المؤسسات الطبية والجامعية والحياة السكنية.
وده بالضبط اللي بيخلينا نبص للأحياء بشكل مختلف؛ لأن كل منطقة بنعيش فيها أو بنعدّي عليها ممكن تكون شايلة بين شوارعها تاريخًا طويلًا، وأحداثًا وشخصيات لا تظهر في شكلها الحالي.
فالعباسية مش مجرد حي من أحياء القاهرة، لكنها حكاية مدينة اتسعت،
وحكاية أرض تغيّرت وظيفتها وملامحها عبر القرون، وفضل اسمها شاهدًا على تاريخ لا يزال حاضرًا في تفاصيل المكان.

