بقلم: المستشار شعبان حسن الجرجير
نائب رئيس لجنة حقوق الإنسان
في التاسع من يوليو من كل عام، يحتفل الفلسطينيون بـ”يوم المحامي الفلسطيني”، وهي مناسبة وطنية وقانونية تعود إلى المرسوم الرئاسي رقم (87) لسنة 1997، الذي أصدره الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وقضى بتشكيل المجلس التأسيسي لنقابة المحامين الفلسطينيين، لتوحيد الأجسام النقابية الثلاثة التي كانت قائمة آنذاك في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، تحت مظلة نقابة واحدة تمثل المحامين الفلسطينيين.
ومنذ ذلك التاريخ، أصبح هذا اليوم مناسبة لتأكيد مكانة المحاماة باعتبارها شريكًا أصيلًا في تحقيق العدالة، وحماية الحقوق والحريات، وتعزيز سيادة القانون، كما يمثل فرصة لتقييم واقع المنظومة القضائية والتذكير برسالة المحامي السامية في الدفاع عن الإنسان وكرامته.
وجاء بعد ذلك صدور قانون المحامين النظاميين رقم (3) لسنة 1999، الذي أكد أن المحاماة مهنة حرة تتعاون مع السلطة القضائية لتحقيق العدالة، وأن المحامي لا سلطان عليه أثناء أداء رسالته سوى ضميره وأحكام القانون.
المحاماة… ركيزة العدالة
لا يمكن أن تستقيم العدالة دون محاماة قوية ومستقلة، فالمحامي ليس مجرد وكيل عن موكله، بل هو أحد أركان منظومة العدالة، يسهم في حماية الحقوق، ويشارك القضاء في إحقاق الحق، ويقف في مواجهة أي تجاوزات قد تمس سيادة القانون.
كما أن توفير الحماية القانونية للمحامين وضمان استقلالهم يمثل شرطًا أساسيًا لضمان عدالة حقيقية، بعيدًا عن الضغوط أو التهديد أو التضييق على أداء رسالتهم.
محامو غزة… ضحايا الحرب
لم يكن المحامون في قطاع غزة بعيدين عن آثار الحرب، بل كانوا من أكثر الفئات تضررًا، بعدما فقد كثير منهم منازلهم ومكاتبهم، وتوقفت أعمالهم بالكامل نتيجة استهداف المحاكم والنيابات والمؤسسات العدلية.
وفقد المحامون آلاف الملفات القانونية والعقود والمستندات والوثائق التي كانت تحفظ حقوق المواطنين، وهو ما ينذر بتحديات كبيرة أمام استعادة الحقوق وإعادة بناء المنظومة القضائية مستقبلًا.
كما تعرض عدد كبير منهم للقتل والإصابة والاعتقال والنزوح، في ظل ظروف إنسانية قاسية وانهيار شبه كامل للبنية التحتية والخدمات الأساسية.
أرقام تعكس حجم المأساة
بحسب ما أورده الكاتب، فقد بلغ عدد شهداء المحامين في قطاع غزة 226 محاميًا، إضافة إلى 21 حالة وفاة بسبب المرض وعدم توفر العلاج، بينما تعيش أسرهم أوضاعًا إنسانية بالغة الصعوبة.
كما دُمر المقر الرئيسي لنقابة المحامين في غزة منذ الأيام الأولى للحرب، إلى جانب مقري النقابة في خان يونس ورفح، ما أدى إلى فقدان السجلات والملفات والأجهزة والمحتويات الإدارية بالكامل.
مطالب لدعم العدالة في غزة
واختتم الكاتب مقاله بعدد من المطالب، أبرزها:
– توفير حماية دولية للشعب الفلسطيني.
– الإسراع في إعادة إعمار قطاع غزة.
– دعم نقابات المحامين العربية لنقابة المحامين الفلسطينيين.
– إنشاء صندوق عربي وإسلامي لدعم محامي غزة وأسرهم.
– تحريك الدعاوى القانونية ضد مرتكبي الانتهاكات أمام المحاكم الدولية.
– إعادة بناء مقرات نقابة المحامين والمؤسسات العدلية.
– تمكين الشعب الفلسطيني من حقوقه المشروعة وإقامة دولته المستقلة.
الأمل رغم الجراح
ورغم قسوة الواقع، يؤكد المقال أن العدالة تظل قيمة لا تموت، وأن المحامين الفلسطينيين سيواصلون أداء رسالتهم مهما كانت التحديات، مستلهمين كلمات الشاعر الراحل محمود درويش:
«”على هذه الأرض ما يستحق الحياة.”»
ويبقى يوم المحامي الفلسطيني مناسبة لتجديد العهد على الدفاع عن العدالة والحرية وكرامة الإنسان، حتى في أصعب الظروف.


