بين الحكمة والحذر.. التضامن العربي لا يعني الانزلاق إلى حروب مفتوحة
بقلم: عبد المجيد عبوبي – كاتب ومفكر مغربي
في السياسة، ثمة فجوة واسعة بين من يقرأ الأحداث بعين العاطفة وحدها، ومن يحاول فهمها بمنظور استراتيجي يوازن بين المبادئ والمصالح،
وبين واجب التضامن ومقتضيات الحذر. فالحماس قد يدفع إلى مواقف سريعة، لكن الحكمة تقتضي النظر إلى ما وراء القرار،
وتقدير نتائجه المحتملة قبل الإقدام على خطوات قد تتجاوز آثارها حدود اللحظة الراهنة.
وفي هذا السياق، جاء قرار مجلس النواب المصري، الصادر في 26 أكتوبر 2026،
بتفويض الرئيس عبد الفتاح السيسي باتخاذ ما يلزم من إجراءات لمساندة المملكة العربية السعودية، بالتنسيق بين البلدين،
والدفاع عن أراضيها وسيادتها ومقدساتها ضد أي اعتداءات خارجية. وقد صدر القرار بأغلبية ثلثي أعضاء المجلس، وفق البيان الرسمي.
ولا ينبغي النظر إلى هذا القرار باعتباره مجرد تطور عسكري عابر، بل باعتباره قضية تفتح بابًا أوسع للنقاش حول مستقبل الأمن العربي، وحدود المسؤولية المشتركة، وكيفية حماية المصالح الوطنية في منطقة تتشابك فيها الأزمات والحسابات الإقليمية.
أولًا: واجب التضامن العربي.. لا منّة ولا مزايدة
إن أمن المملكة العربية السعودية واستقرارها يمثلان شأنًا مهمًا في معادلة الأمن العربي، كما أن العلاقات المصرية السعودية تستند إلى روابط تاريخية ومصالح سياسية واقتصادية متبادلة. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم مساندة السعودية في مواجهة أي اعتداء خارجي باعتبارها موقفًا يدخل في إطار التضامن العربي والمسؤولية المشتركة.
لكن الاعتراف بأهمية هذا المبدأ لا يعني إغفال دروس التاريخ. فقد شهدت المنطقة حروبًا وتدخلات عسكرية تركت آثارًا طويلة الأمد على الدول المشاركة فيها، وتظل التجربة المصرية في اليمن خلال ستينيات القرن الماضي من أبرز المحطات التي تستدعي التأمل عند مناقشة أي انخراط عسكري جديد في الساحة اليمنية.
وهنا يبرز الفارق بين ثبات المبدأ وحكمة التنفيذ.
فالمبدأ يتمثل في رفض الاعتداء على الدول العربية، والوقوف إلى جانبها في حماية أمنها وسيادتها. أما التنفيذ، فينبغي أن يخضع لتقدير دقيق لطبيعة التهديد، والأهداف المطلوب تحقيقها، والوسائل المناسبة، والتكاليف المحتملة.
ومن هذا المنظور، فإن المساندة الدفاعية لا تعني بالضرورة الانخراط في عمليات برية واسعة أو الدخول في حرب مفتوحة لا تتضح نهايتها منذ البداية. ويمكن أن تتخذ أشكالًا مختلفة، من بينها التعاون الدفاعي، وتعزيز قدرات الحماية الجوية، وتبادل المعلومات والتنسيق الأمني، إلى جانب التحرك الدبلوماسي لاحتواء التصعيد.
وتبقى طبيعة أي مشاركة فعلية ونطاقها ومدتها من المسائل التي ينبغي تقييمها وفق القرارات الرسمية والتطورات الميدانية، لا وفق الافتراضات وحدها.
ثانيًا: البحر الأحمر واليمن.. حسابات تتجاوز حدود المواجهة
لا يمكن فصل التطورات في البحر الأحمر واليمن عن المصالح الاستراتيجية المصرية، وفي مقدمتها أمن الملاحة البحرية واستقرار حركة التجارة عبر قناة السويس، التي تمثل أحد الشرايين الاقتصادية الحيوية للبلاد.
فأي تصعيد عسكري يهدد الملاحة في البحر الأحمر أو يوسع نطاق المواجهة الإقليمية قد يفرض أعباء أمنية واقتصادية على دول المنطقة، حتى تلك التي لا تشارك مباشرة في العمليات العسكرية.
ومن هنا، تبرز ضرورة قراءة التطورات باعتبارها شبكة من المصالح والمخاطر المتداخلة، لا مجموعة من الأحداث المنفصلة.
كما أن استهداف المنشآت الحيوية أو تصاعد التصريحات السياسية والعسكرية يستدعي التحقق من الوقائع وتقييم دلالاتها، بدلًا من التعامل معها باعتبارها أدلة قاطعة على وجود مخطط موحد تديره أطراف خفية.
ففي العلاقات الدولية، قد تتقاطع مصالح بعض القوى، وقد تستفيد أطراف من إضعاف منافسيها، لكن إثبات وجود خطة متعمدة لجر دولة بعينها إلى حرب استنزاف يتطلب أدلة موثوقة، لا مجرد الربط بين أحداث متزامنة.
والقراءة الاستراتيجية الرصينة هي التي تميز بين الوقائع المؤكدة، والاحتمالات التي تستحق الدراسة، والاستنتاجات التي لا تزال بحاجة إلى إثبات.
ثالثًا: دروس التاريخ وفن إدارة الأزمات
تعلّمنا التجارب الدولية أن دخول الحروب قد يكون أسهل من تحديد شروط إنهائها، وأن النجاح العسكري لا يضمن وحده تحقيق الاستقرار السياسي أو الاقتصادي على المدى الطويل.
كما أن إدارة الأزمات لا تعني بالضرورة إطالة أمدها، بل قد تكون في كثير من الأحيان وسيلة لمنع تفاقمها، واحتواء آثارها، وفتح مسارات تفاوضية تحول دون تحول الخلافات إلى صراعات ممتدة.
ومن هذا المنطلق، فإن أي قرار يتعلق بالمشاركة العسكرية ينبغي أن يستند إلى مجموعة من الاعتبارات الأساسية: وضوح الهدف، وتناسب الوسائل مع التهديد، وتحديد نطاق المهمة، وتقدير التكاليف، ووجود تصور واقعي لما بعد انتهاء العمليات.
ويضاف إلى ذلك ضرورة الحفاظ على التوازن بين الالتزامات الإقليمية ومتطلبات الأمن الداخلي، بما يشمل حماية الجنود، وصون الموارد الاقتصادية، وتجنب الأعباء التي قد تنعكس على حياة المواطنين.
ولا يتعارض هذا النهج مع التضامن العربي؛ بل يمكن أن يعززه، لأنه يجعل المساندة أكثر وضوحًا واستدامة، ويحول دون أن تتحول الاستجابة لأزمة طارئة إلى التزام مفتوح يصعب تقدير عواقبه.
رابعًا: التضامن العربي بين وحدة الموقف واستقلال القرار
إن التضامن العربي الحقيقي لا يقوم على الاندفاع، كما لا يتحقق بمجرد تبادل التصريحات أو رفع الشعارات، وإنما يحتاج إلى تنسيق سياسي وأمني، وتحديد مشترك للأهداف، وفهم واضح للمخاطر التي تواجه كل دولة.
وفي الوقت نفسه، ينبغي لكل دولة أن تحافظ على استقلال قرارها، وأن تزن التزاماتها الإقليمية في ضوء مصالح شعبها وأمنها القومي. فالتعاون بين الدول لا يعني التخلي عن حقها في تقدير الموقف، أو تجاهل الدروس التي أفرزتها تجارب التدخلات العسكرية السابقة.
ومن الضروري كذلك ألا يتحول الاختلاف في تقدير الوسائل إلى خلاف حول أصل التضامن؛ إذ يمكن الاتفاق على ضرورة حماية السعودية من الاعتداء، مع استمرار النقاش بشأن أفضل الطرق لتحقيق ذلك، وحدود المشاركة المطلوبة، والسبل التي تمنع اتساع المواجهة.
كما أن المسار الدبلوماسي ينبغي أن يظل حاضرًا بالتوازي مع الاستعدادات الدفاعية، لأن احتواء التصعيد وحماية الملاحة وتأمين المنشآت الحيوية أهداف لا تتحقق بالقوة العسكرية وحدها.
خامسًا: حماية الأوطان تبدأ بحساب العواقب
إن التحدي الحقيقي أمام الدول العربية لا يقتصر على كيفية التعامل مع تهديد آني، بل يمتد إلى القدرة على منع الأزمات من التحول إلى صراعات طويلة تستنزف الموارد وتعرقل التنمية وتضعف فرص الاستقرار.
ومن ثم، فإن الحكمة تقتضي الجمع بين الاستعداد للدفاع عن الدول العربية، ورفض الاعتداء على سيادتها، والتمسك في الوقت نفسه بالحلول السياسية كلما كانت ممكنة وفاعلة.
كما تقتضي الشفافية في توضيح الأهداف والحدود العامة لأي تحرك، بما يعزز الثقة ويتيح نقاشًا مسؤولًا حول المصالح الوطنية والتكاليف المحتملة، مع احترام متطلبات الأمن القومي.
فالأوطان لا تُحمى بالشعارات وحدها، ولا تُصان بالاندفاع، بل تحتاج إلى مؤسسات قادرة على التقدير، وقرارات تستند إلى المعلومات، ورؤية لا تكتفي برد الفعل، وإنما تسعى إلى تقليل المخاطر وصناعة الاستقرار.
الخلاصة: اتحدوا، ولكن افتحوا أعينكم
إن مساندة المملكة العربية السعودية في مواجهة الاعتداءات الخارجية مبدأ يمكن الدفاع عنه في إطار التضامن العربي، لكن نجاح أي تحرك يظل مرتبطًا بحسن تقدير الوسائل والأهداف والعواقب.
والرسالة التي ينبغي أن تحضر في أذهان صناع القرار والرأي العام في مصر والخليج وسائر المنطقة هي أن الوحدة العربية لا تعني التخلي عن الحكمة، وأن الاستعداد للدفاع لا يلغي ضرورة العمل من أجل السلام.
فلنتضامن حين يتعرض أي بلد عربي للاعتداء، ولنتعاون في حماية أمننا ومصالحنا المشتركة، لكن مع إبقاء أعيننا مفتوحة على دروس التاريخ، وتكاليف الحروب، ومخاطر التصعيد غير المحسوب.
إن أفضل القرارات ليست بالضرورة الأكثر صخبًا، وإنما تلك التي تحمي السيادة، وتصون الأرواح، وتحافظ على الاقتصاد، وتفتح أمام الشعوب طريقًا إلى مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا.
فالتضامن قوة حين تحكمه الحكمة، والحذر مسؤولية حين يحمي الأوطان من استنزاف لا ضرورة له.

