محمود السنكري يكتب: الكلمة حياة خالدة لا تفنى بموت قائلها - النايل نيوز
الرئيسية » محمود السنكري يكتب: الكلمة حياة خالدة لا تفنى بموت قائلها
مقالات

محمود السنكري يكتب: الكلمة حياة خالدة لا تفنى بموت قائلها

محمود السنكري يكتب: الكلمة حياة خالدة لا تفنى بموت قائلها
كتب المقال بواسطة أ/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

مستشار محمود السنكري

حين يموت الجسد وتبقى الكلمة.. ليست المأساة أن يموت الإنسان فالموت نهاية كل جسد وإنما المأساة الحقيقية أن يرحل المرء دون أن يترك في الحياة ما يستحق البقاء، أن يُطوى اسمه في صفحات النسيان وكأنه لم يعبر يومًا دروب الدنيا ولم يحمل فكرة ولم يترك أثرًا ولم يمنح الحياة شيئًا من روحه،

وفي المقابل هناك من يغادرون هذه الدنيا بأجسادهم لكنهم يرفضون الرحيل من ذاكرة الزمن لأنهم تركوا خلفهم كلمات لم يستطع الموت إسكاتها وأفكارًا لم تستطع السنون محوها ورسائل ظلت تنبض بالحياة كلما قرأها إنسان أو استيقظ بها ضمير أو استعاد بها عقل طريق الحقيقة.

هنا تكمن عظمة الكلمة؛ أن يولد الإنسان مرة واحدة بينما تستطيع كلماته أن تولد آلاف المرات وأن يرحل صاحبها إلى الأبد بينما يظل صوته قادرًا على عبور القرون.

فالكلمة ليست حروفًا تُرصُّ فوق الورق بل هي روح الفكرة وذاكرة الإنسان والجسر الممتد بين الأجيال. قد يكتبها صاحبها في لحظة عابرة لكنها تستقر في عقل قارئ وتوقظ في قلب آخر أملًا غائبًا وتفتح أمام ثالث بابًا ظل مغلقًا طويلًا،

وربما يرحل الكاتب دون أن يدرك أن كلماته ستعيش عمرًا أطول من عمره وأنها ستواصل الحديث حين يصمت صوته وتدافع عن الحقيقة حين يغيب شاهدها.

الكلمة التي تهزم النسيان.. كم من أديب غاب جسده وبقيت كلماته توقظ العقول وتحرك المشاعر! وكم من مفكر رحل لكن أفكاره لا تزال تضيء دروب المستقبل وكم من إنسان لم يمتلك ثروة ولا نفوذًا لكنه ترك عبارة صادقة أصبحت ميراثًا تتناقله الأجيال.

إن الزمن لا يمنح الخلود بالضرورة لأصحاب المال والسلطة بل يحتفظ كثيرًا بأولئك الذين امتلكوا شجاعة الفكر وصدق التعبير ونبل الرسالة،

فالمناصب تتغير والأضواء تخفت لكن الفكرة العظيمة تستطيع عبور القرون لأنها لا تعتمد على وجود صاحبها بل على قدرتها على الحياة في عقول الآخرين.

الكلمة مسؤولية قبل أن تكون خلودًا.. ليست كل الكلمات جديرة بالبقاء؛ فبعضها يولد من فراغ ويعيش على ضجيج اللحظة ثم يختفي بانتهاء التصفيق وبعضها يُكتب لتزييف الحقيقة أو تبرير الباطل مهما انتشر واتسع صداه.

أما الكلمة الصادقة فتستمد قيمتها من شرف معناها ونبل مقصدها وأثرها في حياة الناس فالكتابة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون موهبة والقلم أمانة قد يبني بها الإنسان وعيًا أو يزرع أملًا أو يدافع عن حق كما قد يجرح ويضلل ويهدم.

ليس الكاتب الحقيقي من يجيد ترتيب الكلمات فحسب بل من يعرف أن كل حرف يكتبه قد يكون شاهدًا له أو عليه فليس النجاح أن يسمعك الجميع بل أن تقول شيئًا يستحق أن يُسمع وليس الخلود أن يتردد اسمك على كل لسان بل أن يجد الناس في فكرك ما يستحق العودة إليه.

أثر يبقى حين يغيب صاحبه.. كم من إنسان أوشك على الاستسلام فوجد في كلمات صادقة قوةً للنهوض وكم من قلب أثقله الحزن فوجد في عبارة عزاءً وأملًا! وكم من عقل ظل أسير الوهم حتى جاءت فكرة واحدة ففتحت أمامه نافذة جديدة للفهم.

هنا تتجاوز الكلمة حدود الورق لتصبح فعلًا في الحياة وتتحول من حبر ساكن إلى قوة تحرك الإنسان وتدفعه إلى التغيير ، وقد يرحل الكاتب دون أن يعلم أن عبارة كتبها في لحظة حزن أصبحت طوق نجاة لإنسان لم يلتقِ به قط أو أن فكرة طرحها أسهمت في تغيير نظرة جيل كامل.

وتلك عظمة الأثر الحقيقي؛ أن تزرع دون أن تعرف متى ستثمر بذورك وأن تترك خلفك شيئًا يواصل العطاء حتى بعد أن تتوقف يدك عن الكتابة.

وفي زمن تتسابق فيه الأصوات على جذب الانتباه لا ينبغي أن نخلط بين الانتشار والقيمة ولا بين الشهرة والخلود؛ فقد تختفي عبارة اجتاحت المنصات لساعات بينما تبقى فكرة صادقة لعقود لأنها خاطبت الإنسان في جوهره ولم تكتفِ بمغازلة أهوائه العابرة.

حين يصمت القلم ويبدأ الخلود.. وفي النهاية حين تنطفئ الأضواء وتسقط الألقاب وتُطوى صفحات العمر ويعود الجسد إلى التراب لن يبقى للإنسان من ضجيج الدنيا ما يحميه من النسيان، لن تنفعه المناصب التي تقلدها ولا الأموال التي جمعها ولا التصفيق الذي أحاط به. 

سيبقى السؤال الذي لا تستطيع المظاهر أن تجيب عنه: ماذا تركت خلفك يستحق أن يبقى؟

هل كنت عابرًا مر بالحياة ثم غاب أم كنت صاحب أثر ترك في الطريق نورًا يهتدي به الآخرون؟ هل كانت كلماتك مجرد أصوات استهلكتها اللحظة أم كانت أفكارًا تنفع الناس ورسائل تظل حية حين يغيب صوتك؟

إن الخلود الحقيقي ليس أن يظل اسمك محفورًا على حجر بل أن يظل فكرك حيًا في عقل وأن تجد كلماتك طريقها إلى قلب وأن يستند إنسان إلى معنى تركته فينهض بعد عثرة أو ينتصر لحق أو يرى الحياة بعين أكثر وعيًا.

فلا تسأل كم عامًا ستعيش بل اسأل كم أثرًا طيبًا ستترك، اكتب للحق حين يصمت الخائفون وللكرامة حين تُهان وللإنسان حين تثقله الحياة وللوعي حين يحاصره الجهل وللأمل حين تبدو الطرق مغلقة.

اكتب ما يستحق البقاء وقل ما يستحق أن يُقال واترك خلفك أثرًا يشبه نقاء روحك ونبل رسالتك؛ فقد ترحل يومًا لكنك لا تعرف أي كلمة ستظل حية بعدك ولا أي قلب ستوقظه ولا أي إنسان سيجد فيها سببًا جديدًا للحياة.

فحين يموت الجسد قد تبدأ الكلمة رحلتها الحقيقية وحين يصمت القلم قد يتكلم أثره في آلاف العقول والقلوب.

الكلمة الصادقة لا تدفنها الأرض ولا يطفئها الغياب ولا يهزمها الزمن؛ لأنها حين تولد من ضمير حي وتُكتب بروح مؤمنة بالحقيقة تتحول إلى حياة أخرى لصاحبها حياة لا يملك الموت أن ينتزعها ولا يملك النسيان أن يمحوها.

وهكذا يبقى الإنسان بما ترك لا بما امتلك وبما غرس في الأرواح لا بما جمع من الأشياء وبالكلمة التي تظل حية بعد رحيله لتقول للأجيال القادمة: مرَّ من هنا إنسان ولم يكن مروره عبورًا عابرًا،

بل ترك في الحياة أثرًا وفي الذاكرة صوتًا وفي الزمن كلمةً لم تمت. محمود السنكري يكتب: الكلمة حياة خالدة لا تفنى بموت قائلها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *