النُّقْطَةُ الفَاصِلَةُ - النايل نيوز
الرئيسية » النُّقْطَةُ الفَاصِلَةُ
مقالاتمنوعات

النُّقْطَةُ الفَاصِلَةُ

كتب المقال بواسطة أ/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

النُّقْطَةُ الفَاصِلَةُ
بقلم الأديب المصري
د. طارق رضوان جمعة

لم أكن أعرف أنَّ نقطةً صغيرةً قد تُنهي حكايةً، أو تُخفي جنايةً، أو تفتح في جدار الروح نافذةً لا يدخل منها إلا الندم.
نقطةٌ لا وزن لها في الميزان، لكنَّها قد ترجح كفَّةً على كفَّة، وتفصل بين قلبٍ ما زال ينبض، وقلبٍ تعلَّم كيف يعيش بعد أن مات فيه النبض.
نضعها حين نعجز عن الكلام، أو حين نملك الكلام ولا نملك الشجاعة؛ نضعها لننهي خلافًا، وقد نُنهي بها خلافًا في الظاهر، ونبدأ ألف خلافٍ في الباطن.
وما أكثر النهايات التي تبدأ بكلمة، وما أكثر الكلمات التي تنتهي بنا!

في بيتٍ أنهكه الانتظار، عاد رجلٌ عند المساء، ألقى مفاتيحه فوق المائدة، وعلَّق معطفه على مسمارٍ قديم، ثم جلس كأنَّه لم يغادر، وكأنَّ الغياب لم يكن يومًا من أهل الدار.
أصلح مصباح الممر، ولم يُصلح ما أظلم في الصدور؛ أضاء الطريق إلى الغرف، وترك القلوب تتعثَّر في الطريق إلى بعضها.
كان يظنُّ أنَّ البيت جدرانٌ وسقف، وأنَّ الحبَّ خبزٌ وملح، وأنَّ توفير الحاجات يُغني عن سؤالٍ يردُّ الروح، أو كلمةٍ ترفع عن القلب ما أثقله من جروح.
ولم يكن رجلًا سيئًا، ولا كان قلبه خاليًا من الوفاء؛ لكنَّ بعض الرجال يُحسنون تدبير البيوت، ويعجزون عن تدفئة القلوب.
يخافون على مَن يحبون من عواصف الطريق، ولا ينتبهون إلى الريح التي تسكن صدورهم؛ يحرسون الأبواب من الغرباء، ثم يتركون الصمت يدخل بلا استئذان، ويجلس في صدر البيت كأنَّه صاحب المكان.

وفي المطبخ، كان رغيفٌ يبرد، وطبقٌ ينتظر، وملعقةٌ وحيدة تلمع تحت ضوءٍ شحيح.
جلس الجوع إلى جوار البرد، وأخذ كلٌّ منهما يحدِّق في الآخر؛ لا يسأل عن اسمه، فالأوجاع تتعارف من النظرة الأولى، ولا تحتاج إلى شهادة ميلاد.
كان طفلٌ يراقب الباب، ينتظر وقع خطواتٍ يعرفها، أو صوتًا يحمل إليه ما يسدُّ الرمق.
لكنَّ الليل دخل قبل الرغيف، وجلس الفقر إلى المائدة دون أن يخلع حذاءه.
وفي الصباح، رحل الجوع قليلًا، لا لأنَّ الخبز جاء، بل لأنَّ النهار أشغله عن البيت؛ غير أنَّه ترك موعدًا للمساء، فالفقر إذا وعد وفى، وإذا أقام لم يكتفِ.
ولمعت الملعقة وحدها.
عجيبٌ أمر الأشياء؛ قد تبقى بعد رحيل أصحابها، فتشهد بما لم يشهدوا، وتروي ما لم يستطيعوا أن يقولوا.
كبرتُ بما يكفي لأعرف أنَّ الخبز ليس دائمًا ما يُؤكل، وأنَّ الجوع ليس دائمًا ما يقرقر في البطون.
ثمَّة جوعٌ إلى كلمة، وجوعٌ إلى نظرة، وجوعٌ إلى مَن يراك فلا يراك عابرًا، ويسمع صمتك فلا يحسبه رضا، ويعرف تعبك فلا يضعه ضمن أثاث البيت.
وقد يجلس رجلٌ إلى مائدةٍ عامرة، فلا يجد ما يسدُّ جوعه؛ ويجلس آخر إلى رغيفٍ يابس، فيأكله مطمئنًّا لأنَّ يدًا وضعته أمامه بمحبة.
فليس كلُّ شبعٍ غِنًى، ولا كلُّ فقرٍ خلوًّا؛ قد تمتلئ الأيدي وتفرغ الأرواح، وقد تقلُّ الأقوات وتكثر البركات.
وما بين الرغيف والكلمة مسافةٌ لا تقيسها الأمتار؛ فكلاهما قد يُقيم إنسانًا، وكلاهما قد يُترك حتى يبرد.
وإذا برد الخبز أمكن تسخينه، أمَّا إذا برد الودُّ، فمن يملك نارًا لا تحرق ما بقي من الرماد؟
كنتُ أظنُّ أنَّ النهايات تحتاج إلى خصامٍ وصياح، حتى رأيتُ علاقاتٍ تموت في هدوء، كشمعةٍ لم يطفئها أحد، لكنَّ أحدًا لم يعد يلتفت إلى ضوئها.
لا بابَ يُصفَق، ولا عهدَ يُمزَّق، ولا كلمةَ وداعٍ تُقال؛ مجرَّد أيامٍ تتشابه، وأسئلةٍ تتناقص، ومسافاتٍ تتَّسع حتى يصبح القريب بعيدًا، والبعيد أقرب إلى الذاكرة من صاحب المقعد المجاور.
هنا تكمن الحيلة؛ فليس كلُّ مَن بقي حاضرًا، ولا كلُّ مَن غاب راحلًا.
قد يجلس المرء بجوارك، وبينكما من الصمت ما يحتاج إلى سفينة؛ وقد يفصل بينك وبين غائبٍ بحرٌ، لكنَّ كلمةً منه تعبر البحر، وتصل إلى قلبك قبل أن تصل إلى أذنك.
وما أصعب أن تكون معروفًا عند الناس، مجهولًا عند مَن تحب؛ أن يحفظ العالم اسمك، وينسى بيتك صوتك.
عندها لا تحتاج إلى مرآةٍ كي ترى وجهك، بل تحتاج إلى لحظةٍ صادقة كي تعرف إن كان هذا الوجه لا يزال وجهك، أم أنَّك أمضيت العمر في إرضاء الآخرين حتى نسيت مَن الذي كان يريد أن يرضى عنك.
وأنا لا أفتِّش عن الغائبين في المرايا؛ فالمرايا تحفظ الملامح، لكنَّها لا تحفظ المواقف، وتردُّ إليك وجهك، لا ما فعله بك الزمن.
أفتِّش عنهم في ابتسامةٍ تأتي على غير موعد، وفي رائحة قهوةٍ تعيد إلى المساء مقعدًا فارغًا، وفي كلمةٍ عابرةٍ تفتح بابًا ظننتُ أنَّني أغلقتُه منذ أعوام.
قد يمرُّ الحنين بي، فلا أعرف أأنا الذي استدعيتُه، أم أنَّ الغائب هو الذي ناداني من جهةٍ لا تصل إليها الأصوات.
وأتساءل: حين يحنُّ الإنسان، هل يشتاق إلى مَن فقد، أم إلى نفسه حين كان ذلك الغائب حاضرًا؟
لعلَّنا لا نفتقد الوجوه وحدها؛ نفتقد وجوهنا التي كانت تظهر في حضرتها.
نشتاق إلى رجلٍ كنَّاه قبل الخيبة، وإلى قلبٍ كنَّاه قبل الحذر، وإلى زمنٍ كنَّا فيه نفتح الأبواب دون أن نراجع أقفالها كلَّ ليلة.
ولذلك، ليس كلُّ رجوعٍ عودة، ولا كلُّ بقاءٍ وفاء؛ فقد يعود الجسد ويبقى الغياب، وقد يرحل الجسد ويظلُّ صاحبه فينا أطول من العمر.
وحين عدتُ إلى الورقة، وجدتُ جملةً تنتظر نهايتها.
رفعتُ القلم، وتأمَّلتُ النقطة.
كم من نقطةٍ وضعناها في غير موضعها، فصرنا غرباء بعد أُلفة، وخصومًا بعد عِشرة، وأمواتًا في حياةٍ لا تزال تنادينا بأسمائنا!
وكم من نقطةٍ كان ينبغي أن نضعها، فأبقينا الحكاية مفتوحةً حتى نزفت آخر ما فيها!
فالعفو ليس ضعفًا، لكنَّه ليس تنازلًا عن الكرامة؛ والصبر ليس عجزًا، لكنَّه ليس إذنًا للألم كي يُقيم بلا نهاية.
وثمَّة فرقٌ بين بابٍ نتركه مفتوحًا انتظارًا لمن نحب، وبابٍ نخلعه من مكانه حتى لا يجرؤ أحدٌ على إغلاقه.
وما بين الرحمة والغفلة خيطٌ رفيع؛ قد تعفو لأنَّ قلبك كبير، وقد تواصل النزف لأنَّك لم تتعلَّم بعدُ كيف تحمي ما تبقَّى منك.
لهذا لم أضع النقطة.
تركتها معلَّقةً فوق السطر، كأنَّها قطرةٌ تردَّدت بين أن تكون مطرًا أو دمعًا، بين أن تُنبت بذرةً أو تسقط على قبر.
وفي الخارج، كان الليل يطوي عباءته على مهل، وكانت نافذةٌ في بيتٍ بعيدٍ لا تزال مضاءة.
لا أعرف مَن الذي ينتظر خلفها، ولا مَن الذي تأخَّر في الطريق، ولا إن كان الضوء وعدًا بالعودة أم مجرَّد عادةٍ لم يمتلك أصحابها شجاعة التخلِّي عنها.
كلُّ ما أعرفه أنَّ الملعقة ما زالت تلمع، وأنَّ الرغيف قد برد، وأنَّ هناك جملةً في مكانٍ ما تنتظر نقطةً لا يعرف أحدٌ إن كانت ستُنهي الحكاية، أم ستكشف أنَّ الحكاية لم تبدأ بعد.
فبعض النقاط تنهي الكلام، وبعضها يبدأ الحساب… أمَّا أخطرها، فهي تلك التي نضعها في حياة الآخرين، ثم نمضي مطمئنين، لأنَّنا لم نسمع صوت الباب وهو يُغلق من الداخل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *