عطرُ الأرْض
بقلم عبد المجيد عبوبي
يا لَدَهْشَتي حين انسكب العِطْرُ الأوَّلُ من كفَّيْكِ!
كانت أمي توقظ نباتات الجنة في صمتها:
حناءً.. وقَرَنْفُلْ،
تلك هي ماركتها المسجلة في ديوان الخلود.
وحين أهديتها، يوماً، كولونيا باريسية،
تأملت زجاجة الكحول بعينين تعرفان أسرار المطر،
وابتسمت قائلة: «مُشاهَدَة…»
ثم أدارت وجهها نحو الأفق، وأكملت بصوت يشبه هدير الأنهار العميقة:
«يا بُنَيَّ..
أنا سَليلَةُ التراب،
والماء الذي لا ينام،
أنا حفنة طين مُخْفَاةٌ تحت غيمة،
وأصابعي..
هذه المنقوشة بعرق الأرض،
مشقوقةٌ.. بالتعب الجميل.»
وظل صوتها معلقاً..
كقنديل في عتمة السُهول،
أو كغيمة تتأهب للمطر ولا تمطر.
صمتت..
لكن الكون بأسره ظل يرتجف على أطراف أصابعها،
تفوح منه رائحة الحناء العتيقة،
مختلطة بدموع النجوم المنسية.
ووقفتُ أنا..
مَشْدُوهاً أمام مرآة الأزل،
أراها تمشي على ماء الحنين ولا تبتلّ،
تتركني وحدي..
معلقاً في دهشة العشق الخالص،
أحصي خطى الأرض.. وهي تعود إلى أصلها.

