بيوت لها حكاية.. نفيسة البيضاء: سيدة جمعت بين التجارة والعمل الخيري وتركت بصمتها في القاهرة
كتبت: داليا حسام
في القاهرة القديمة، ليست كل الحكايات التي تستحق أن تُروى قد بدأت داخل القصور، وليس كل النساء اللاتي وصلن إلى النفوذ تركن أثرهن في السياسة وحدها.
فهناك سيدات ارتبطت أسماؤهن بالمال والتجارة والعمل الخيري، وظلت آثارهن شاهدة على أدوار لم تحظَ دائمًا بما تستحقه من الاهتمام في الحكايات الشائعة.

ومن بين هذه الأسماء تبرز نفيسة البيضاء، إحدى أشهر سيدات عصر المماليك المتأخر والعصر العثماني في مصر.
ارتبطت حياتها بكبار أصحاب السلطة، لكن اسمها ظل حاضرًا في القاهرة من خلال مجموعة معمارية تحمل جانبًا مهمًا من قصتها،
وتكشف عن علاقة التجارة بالعمل الخيري في تاريخ المدينة.
في منطقة الغورية، بالقرب من باب زويلة، يقف سبيل وكُتّاب نفيسة البيضاء،
شاهدًا على مرحلة من تاريخ القاهرة كانت فيها الأسبلة توفر مياه الشرب للمارة، بينما كانت الكتاتيب تتولى تعليم الأطفال وتحفيظ القرآن الكريم.

لكن حكاية المكان لا تبدأ من عمارته وحدها، بل من السيدة التي ارتبط اسمها به، ومن الدور الذي أدته في مجتمع شهد تحولات سياسية واقتصادية كبيرة.
من القصر إلى عالم النفوذ
عُرفت نفيسة باسم «البيضاء»، وهو لقب ارتبط بلون بشرتها، كما عُرفت باسم نفيسة خاتون.
وارتبطت سيرتها بعالم المماليك في مصر؛ فقد كانت زوجة علي بك الكبير، أحد أبرز الشخصيات السياسية والعسكرية في القرن الثامن عشر،
وبعد وفاته تزوجت مراد بك، الذي أصبح من كبار أمراء المماليك وحكم مصر بالاشتراك مع إبراهيم بك.

لكن التوقف عند زواجها من الرجلين لا يكفي لفهم مكانتها التاريخية. فالمصادر تشير إلى أنها امتلكت ثروة ونشاطًا تجاريًا، وكانت من النساء ذوات النفوذ في مجتمع عصرها.
ومن هنا تكتسب حكايتها أهمية خاصة؛ إذ تكشف عن امرأة لم يكن حضورها مرتبطًا بالحياة داخل القصر وحدها، بل امتد إلى المال والممتلكات والتجارة،
في زمن كانت فيه فرص النساء في الظهور العام محدودة مقارنة بالرجال.
ومع ذلك، فإن بعض تفاصيل نشأتها الأولى ومكان مولدها لا تحظى بالدرجة نفسها من الوضوح في جميع الروايات؛
لذلك ينبغي التمييز بين المعلومات التاريخية الموثقة والحكايات المتداولة التي تحتاج إلى مزيد من التحقيق.

وكالة وسبيل وكُتّاب.. أكثر من مجرد مبانٍ
في عام 1796م، الموافق 1211هـ، أنشأت نفيسة البيضاء مجموعة معمارية ارتبطت باسمها، وضمت وكالة تجارية وسبيلًا وكُتّابًا.
وكان السبيل مخصصًا لتوفير مياه الشرب للمارة، بينما خُصص الكُتّاب لتعليم القرآن الكريم وتحفيظه.
وهنا تظهر قيمة الحكاية؛ فالمجموعة لم تكن مبنى واحدًا يؤدي وظيفة واحدة، بل جمعت بين النشاط الاقتصادي والخدمة العامة والتعليم الديني.
فالوكالة التجارية كانت تضم محالّ ومساحات مرتبطة بالتجارة، بما يتيح تحقيق عائد مالي من الإيجار والأنشطة التجارية.
وكان هذا العائد جزءًا من المنظومة التي تدعم استمرار المنشآت الخيرية وخدماتها.

وفي القاهرة القديمة، لم تكن العمارة التجارية منفصلة بالضرورة عن احتياجات المجتمع؛
فقد أسهمت بعض المنشآت في توفير موارد مالية تُوجَّه إلى خدمات يستفيد منها الناس في حياتهم اليومية.
وتذكر محافظة القاهرة أن المجموعة المرتبطة بنفيسة البيضاء شملت أيضًا حمامين، استُغل ريعهما في أوجه الخير،
إلى جانب وحدات سكنية كانت تُتاح للفقراء بمبالغ رمزية. وعُرفت هذه المجموعة باسم «السكرية».
وهكذا، لم تقتصر الحكاية على سبيل ماء وكُتّاب، بل ارتبطت بمنظومة أوسع من الأنشطة الاقتصادية والمنافع الاجتماعية،
في صورة تكشف عن جانب من دور الوقف والعمل الخيري في المدينة المصرية.
ثلاث نوافذ تحكي وظيفة المكان
إذا وقفنا أمام واجهة سبيل نفيسة البيضاء، سنلاحظ تصميمها نصف الدائري، الذي تتوسطه ثلاثة شبابيك معدنية ذات زخارف مفرغة.
وتطل هذه الواجهة على الشارع لتؤدي وظيفتها الأساسية في سقاية المارة، بينما يعلو السبيلَ الكُتّابُ بواجهته التي تضم عقودًا محمولة على أعمدة رخامية.

والتفصيلة اللافتة هنا أن جمال العمارة لم يكن منفصلًا عن وظيفتها
؛ فالزخارف النحاسية والحجرية والرخامية والخشبية لم تكن مجرد عناصر للزينة، بل شكّلت جزءًا من لغة معمارية تعكس ذوق العصر ومكانة المنشأة.
أما الدخول إلى السبيل فيكون عبر مدخل يؤدي إلى ردهة تتصل بحجرة السبيل، ومنها يصعد سلم إلى الكُتّاب.
وبهذا التكوين، جمع المبنى بين خدمة الناس في مستوى الشارع، وتوفير مكان للتعليم في الطابق الأعلى.
وتوضح بيانات وزارة السياحة والآثار أن السبيل من نماذج الأسبلة التي أُنشئت في أواخر العصر العثماني بالقاهرة،
وهي فترة شهدت اهتمامًا بإنشاء المنشآت الخيرية التي توفر الماء والتعليم لسكان المدينة.
وتظل هذه التفاصيل المعمارية جزءًا من حكاية نفيسة البيضاء؛ فالمكان لا يحفظ اسم صاحبته فحسب، بل يقدم صورة عن احتياجات المجتمع وأساليب تلبيتها في ذلك الزمن.
نفيسة البيضاء والحملة الفرنسية
لم تكن حياة نفيسة البيضاء محصورة في التجارة والعمارة والعمل الخيري؛
فقد عاشت واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في تاريخ مصر، حين وصلت الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت عام 1798م.
وكان مراد بك من القوى المملوكية التي واجهت الحملة. وبعد هزيمة القوات المملوكية في معركة إمبابة، المعروفة أيضًا بمعركة الأهرام،
اتجه إلى الصعيد لمواصلة مقاومة الفرنسيين، بينما واجهت القاهرة تحولات سياسية واقتصادية عميقة تحت الاحتلال.
وفي ظل هذه الظروف، وجدت نفيسة البيضاء نفسها أمام واقع شديد التعقيد، تداخلت فيه العلاقات السياسية والمصالح المالية ومصير الممتلكات.

وتشير روايات تاريخية إلى أنها قدمت العون لبعض المتضررين من المصريين، كما تتناول مصادر مختلفة ما تعرضت له من مطالب مالية في تلك الفترة.
وتختلف التفاصيل المتعلقة بحجم هذه المطالب وطبيعة علاقتها بقيادة الحملة؛
لذلك ينبغي التعامل بحذر مع الروايات المتأخرة بشأن لقاءاتها بنابليون أو الهدايا التي قيل إنها تلقتها، وعدم تقديم التفاصيل المختلف عليها باعتبارها حقائق محسومة.
لكن هذه المرحلة تفتح نافذة مهمة لفهم تاريخ النساء في أوقات الأزمات؛
فالحياة داخل القصور لم تكن تعني الانفصال عن اضطرابات المدينة، كما أن المال والنفوذ لم يكونا ضمانًا للنجاة من تقلبات السياسة.
ماذا بقي من الحكاية؟
لم تكن نفيسة البيضاء حاكمة لمصر بالمعنى الرسمي، ولم تتولَّ منصبًا سياسيًا معلنًا، لكن سيرتها تكشف عن مساحة من النفوذ امتلكتها بعض النساء في مجتمع المماليك،
من خلال الثروة والملكية والتجارة والعلاقات الاجتماعية.
واليوم، حين نقرأ تاريخها من خلال سبيلها وكُتّابها ووكالتها، فإننا لا ننظر إلى مبانٍ قديمة فحسب،
بل إلى أثر امرأة ارتبط اسمها بمنشآت جمعت بين النشاط الاقتصادي وخدمة المجتمع.
وربما تكون هذه هي القيمة الأهم في حكاية نفيسة البيضاء: أن تاريخ المرأة لا يُختصر في اسم الزوج أو مكانتها داخل القصر،
بل ينبغي أن نبحث أيضًا عما امتلكته، وما أنشأته، وكيف تركت أثرًا في المدينة التي عاشت فيها.
ففي القاهرة القديمة، لا تزال الحجارة تروي أن بعض النساء لم يتركن وراءهن حكايات تُحكى فقط،
بل تركن أماكن تحمل أسماءهن، وتفتح أمامنا أبوابًا لفهم تاريخ المجتمع من زاوية مختلفة.
وهكذا، تظل حكاية نفيسة البيضاء واحدة من الحكايات التي تستحق أن نعود إليها؛ لا بحثًا عن أسطورة،
بل بحثًا عن امرأة عاشت في زمن مضطرب، وتركت أثرًا عمرانيًا واجتماعيًا ما زال حاضرًا في قلب القاهرة.
«بيوت لها حكاية».. لأن وراء كل أثر حكاية، ووراء كل حكاية إنسان يستحق أن نتذكره.

