حربٌ على العقيدة الإسلامية: كيف جعل التحالف من مساجد اليمن ومصليها أهدافاً لآلة القتل؟
القاضــــــي/ حسين محمد أحمد المهدي. عضو رابطة علماء اليمن
{وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً}
الصلاةَ ركنُ الإسلامِ الأعظم، وعمادُ الدينِ الأقوم، وهي الصلةُ التي تربط العبدَ بخالقه، والركنُ الذي يجتمعُ عليه المسلمون في بيوت الله، يتوجهون إليه سبحانه بقلوبٍ خاشعة، ونفوسٍ مطمئنة، وجباهٍ ساجدة. وقد اختصّ اللهُ – عز وجل – يومَ الجمعة بفضلٍ عظيم، وجعله عيداً أسبوعياً للمسلمين، يتسابقون فيه إلى المساجد، ويستمعون إلى ذكر الله، ويستشعرون عظمتَه ولذةَ مناجاته، {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّـهِ … ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}.
ومن المواقف العظيمة لقائد المسيرة القرآنية في يمن الإيمان والحكمة إنكاره على التحالف الذي تقوده السعودية في حربها على اليمن، وقتل المصلين فيها بمَن فيهم العلماء والحفاظ لكتاب الله، وعلى رأس هؤلاء العلماء العالم الجليل والأستاذ الجامعي القدير إمام وخطيب جامع بدر الدكتور المرتضى بن زيد المحطوري إلى جانب العشرات من المصلين الركع السجود، مع أن المساجدُ – كما أخبر الحقُّ تبارك وتعالى – بيوتٌ أذن اللهُ أن تُرفع ويُذكر فيها اسمُه، يُسبَّح له فيها بالغدوّ والآصال. فهي حرمٌ آمن، ومكانٌ مقدّس، ومَلاذٌ للعباد، ومَهبطٌ للرحمة، ومَجلسٌ للذكر، فكيف يجوز الاعتداء عليها؟ وسفك الدماء فيها؟ وقد امتنّ اللهُ على المسلمين بأن جعل لهم هذه البيوتَ الطاهرة، وجعل السعيَ إليها سبباً للأجر العظيم، ووسيلةً لاستحضار عظمةِ الله، وذوقِ حلاوةِ مناجاته.
وجاء في الحديث النبوي: ” مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا، وَلَوْ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ لِبَيْضِهَا بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ “.
لقد جعل الحق سبحانه وتعالى السعي إليها يَحُطُّ الخطايا “إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَتَعَاهَدُ الْمَسْجِدَ، فَاشْهَدُوا لَهُ بِالْإِيمَانِ،” فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : { إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ }.
فكلُّ مسجدٍ يُرفع فيه اسمُ الله – كان ولا يزال موضعَ التقديس والاحترام في قلوب المؤمنين. ولا عجبَ أن يكون الاعتداءُ على المصلين – وهم في صلاتهم، وفي بيوت ربهم، وبين يدي خالقهم – من أكبرِ المنكرات، وأعظمِ الجرائم، وأشدِّ أنواع العدوان على الشريعة والقرآن.
فكيف يَجْرُؤُ عاقلٌ على انتهاكِ حرمةِ بيوتِ الله؟ وكيف تطيبُ نفسٌ باقتحامِ المساجد، وقتلِ المصلين، وترويعِ العابدين، وهم في أقدسِ لحظاتِهم، وأطهرِ مواقفِهم، وأعظمِ مناجاتِهم؟ إنه واللهِ جُرمٌ تنفرُ منه الفطرُ السليمة، وتأباه الشرائعُ السماوية، وتُجمعُ على استنكاره العقولُ الراجحة.
لقد جعل اللهُ للمساجد حرمةً عظيمة، وأمرَ بالمحافظة عليها، ونهى عن التعرض لأهلها. قال سبحانه: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. فانظر – يا رعاك الله – كيف جعل اللهُ السعيَ في خراب المساجد ومنعَ ذكرِه فيها من أظلمِ الظلم، وأعظمِ العدوان، وتوعّد فاعلَه بالخزي في الدنيا والعذابِ العظيم في الآخرة.
وقد أخبر النبيُّ ﷺ أن المساجدَ أحبُّ البقاعِ إلى الله، فقال: «أحبُّ البلادِ إلى الله مساجدُها». وجعل ﷺ انتهاكَ حرمةِ المسجدِ والصلاةِ من أشرِّ الأفعال، وتوعّد من فعل ذلك باللعنةِ والطردِ من رحمة الله. بل إن الإسلامَ قد حرّمَ قتلَ النفس التي حرّم اللهُ إلا بالحق، وشدّد في وعيدِه، فقال سبحانه: {مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا}. فكيف بمن يقتلُ جماعةً من المصلين، ويعتدي على بيوتِ الله، ويروّعُ الآمنين؟
إن الاعتداءَ على المصلين ليس جريمةً في حقِّ الأفراد فحسب، وإنما هو جريمةٌ في حقِّ الدين، وانتهاكٌ لحرمةِ المقدسات، وعدوانٌ على كلِّ مسلمٍ في مشارقِ الأرض ومغاربها. إنه اعتداءٌ على الصلاةِ نفسها، وعلى المسجدِ الذي هو رمزُ الوحدةِ الإسلامية، وعلى الأمةِ بأسرها. وهو – فوق ذلك كله – استهزاءٌ بشرعِ الله، وتحدٍّ صارخٌ لأحكامه، واستهتارٌ بمشاعرِ ملايين المسلمين.
وإذا كان الإسلامُ قد أوصى بالجار، وأمر بالإحسانِ إلى الناس، وحثّ على السلامِ والأمان، وأوجب حفظَ الدماءِ والأعراض، فكيف يُقابلُ هذا كله بالقتلِ والتخريبِ والترويع؟ وكيف يُقابَلُ نداءُ اللهِ للمؤمنين بالسعي إلى ذكرِه بالاعتداءِ عليهم وهم ساعون؟ وكيف يُقابَلُ رفعُ بيوتِ الله بالهدمِ والتدمير؟
إن من يعتدي على المصلين إنما يعتدي على بيوت اللهِ أولاً، وعلى دينه، وعلى بيته، وعلى شريعته وعلى عباده الصالحين. وإن اللهَ – عز وجل – لا يغفلُ عن عملِ الظالمين، وهو لهم بالمرصاد، وسيجزيهم بما فعلوا، ويُذيقُهم من عذابٍ أليم. قال تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ}. فليحذرِ المعتدون، وليعلموا أنهم إلى ربهم راجعون، وأن اللهَ لهم بالمرصاد، وأن دعوةَ المظلومِ لا تُردّ، وأن دماءَ المصلين ليست هدراً، وأن بيوتَ اللهِ ليست ساحةً للعبثِ والعدوان.
وإن هذا العدوانَ الآثم، و هذه الجرائمَ النكراء – لتؤكد للعالم بشاعة هذا العدوان لا يمكنُ التهاونُ فيه، ولا السكوتُ عنه. وندعو كلَّ مسلمٍ يؤمن بالله واليوم الآخر إلى نصرةِ إخوانهم المصلين في اليمن، والدفاع عن بيوتِ ربهم، والوقوفِ صفاً واحداً في وجه كل من يريدُ إخمادَ صوتِ الأذان، وهدمَ بيوتِ الرحمن، وقتلَ عبادِ الرحمن.
فعلى المسلمين جميعاً أن يتقوا اللهَ في بيوتِه، وفي عبادِه الصالحين. وليعلموا أن اللهَ – سبحانه – قد جعلَ المساجدَ شعيرةً من شعائرِه، وعلامةً من علاماتِ دينه، وأمرَ برفعها وتعظيمها وتوقيرها. فقال: {ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ}. فمن عظّمَ المساجدَ والمصلين فقد عظّمَ الله، ومن استخفّ بهم فقد استخفَّ بشرعِ الله، ومن اعتدى عليهم فقد اعتدى على شريعة الله، واللهُ سبحانه وتعالى يمهلُ ولا يهمل، وسيرد كيد المعتدين في نحورهم، فالله ناصرًا أنصاره، ومعز لدينه، وحافظ لأهل الإيمان والحكمة.
حِكَمٌ هَذِهِ رَفَعْتُ بِهَا نُصْحِي ** لِتُدَوِّيَ فِي الْعَالَمِينَ دَوِيَّا
نَافِعٌ هَدْيُهَا لِمَنْ كَانَ بَرّاً ** مُخْلِصاً لِلرَّحْمَنِ، أَمِيناً رَضِيَّا
وَلْيَبْقَ هَذَا الْمَقَالُ بِإِذْنِ اللَّهِ بَقَاءَ الدَّهْرِ ** يَرْنُو إِلَيْهِ مَنْ كَانَ حُرّاً تَقِيَّا
كَمْ تَرَى فِيهِ فِي كُلِّ قَوْلٍ تَحَرٍ ** فَهُوَ لِلْحَقِّ فَهَّامَةٌ، عَبْقَرِيَّا
وَصَلَاةٌ عَلَى نَبِيٍّ كَرِيمٍ ** أَوْضَحَ الرُّشْدَ، وَالْغَيَّ سَمَّاهُ غَيَّا
{وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ}

