حين يسرقنا الزمن: هل ما زلنا على قيد الحياة؟ - النايل نيوز
الرئيسية » حين يسرقنا الزمن: هل ما زلنا على قيد الحياة؟
مقالات

حين يسرقنا الزمن: هل ما زلنا على قيد الحياة؟

كتب المقال بواسطة أ/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

حين يسرقنا الزمن: هل ما زلنا على قيد الحياة؟

بقلم: عبد المجيد عبوبي

عالمٌ يجري ولا ينتظر

نعيش اليوم في عالمٍ غريب، مدهش ومخيف في الوقت نفسه. عالمٌ صار فيه كل شيء سريعًا: الخبر، الصورة، الرسالة، الطعام، السفر، حتى الفرح صار سريعًا. نفتح الهاتف فنجد العالم كله أمامنا، لكننا نجد أنفسنا في المقابل أصبحنا أبعد عن أنفسنا.

كل يوم نسمع عن اختراع جديد، وآلة ذكية، وبرنامج يفكر بدلنا، ويكتب بدلنا، ويقرر بدلنا. لكن السؤال الحقيقي ليس: هل صارت الآلة أذكى؟ بل: هل ما زلنا نحن أذكى في أن نعيش؟ هل ما زلنا نشعر، نتأمل، نتذكّر، ونحب ببطء؟

لماذا نعود إلى الماضي؟

يقول الشاعر محمود درويش: «نحن نحب الماضي لأنه ذهب، ولو عاد لكرهناه». كلمة بسيطة، لكنها تحمل حقيقة كبيرة. نحن لا نحب الماضي لأنه كان مثاليًا، بل لأنه كان أبطأ، وأدفأ، وأقرب إلى القلب.

في الماضي كانت الجدة تجلس قرب النافذة، والجد يحكي قصة قديمة، والأم تنتظرنا من المدرسة، والبيت له رائحة، والوقت له معنى. لم يكن هناك من يطاردنا بالرسائل، ولا شاشة تسحب عيوننا، ولا سباق لا ينتهي.

أما اليوم، فالحاضر أصبح في كثير من الأحيان فارغًا وقلقًا. حتى الفرح صار أحيانًا بلا معنى: نصوّره، وننشره، ثم ننتقل إلى شيء آخر قبل أن نشعر به فعلًا. لذلك نعود إلى الماضي؛ لا هروبًا منه، بل بحثًا عن الدفء الذي فقدناه.

التسارع: عدوّ الشعور بالحياة

هناك مفكرون معاصرون يقولون إن مشكلة عصرنا ليست في التقنية وحدها، بل في السرعة التي فرضتها علينا. فالتقنية جعلت كل شيء أسرع: الاتصال، والعمل، والتعلم، والاستهلاك. لكنها جعلت الإنسان نفسه أسرع من أن يشعر.

حين نركض كثيرًا، لا نجد وقتًا لنفكر. وحين نستقبل أخبارًا لا تنتهي، لا نجد وقتًا لنعي ما يحدث لنا. وحين نملأ أيامنا بالمهام، لا نجد وقتًا لنكون مع من نحب، ولا حتى مع أنفسنا.

وهنا تكمن المفارقة: كلما زادت سرعة العالم، قلّت فرصتنا في العيش الحقيقي. فالحياة ليست عدد الرسائل التي نردّ عليها، ولا عدد الصور التي ننشرها، ولا عدد الأشياء التي نشتريها. الحياة هي لحظة هدوء، ووجوه نحبها، وذكرى تدفئنا، وسؤال نفكر فيه بلا استعجال.

التراث ليس متحفًا

لكن العودة إلى الماضي لا تعني أن نغلق أبواب الحاضر، ولا أن نعبد كل ما هو قديم. التراث ليس متحفًا نتعبد لقطعه، ولا بيتًا نُقفله خوفًا من التغيير. التراث هو ذاكرتنا، وهو جزء منا، لكنه يحتاج إلى أن نقرأه بعقل لا بخوف.

هنا يأتي دور المفكرين العرب الذين حاولوا أن يضعوا علاقتنا بالتراث على أساس جديد. فالمفكر المصري حسن حنفي يقول إن التراث ليس دينيًا فقط، بل يشمل أيضًا العادات والثقافة الشعبية والحياة اليومية. وهو ليس شيئًا ميتًا خارج التاريخ، بل وسيلة يمكن أن نستخدمها لبناء مستقبل أفضل.

أما المفكر اللبناني حسين مروة، فيطرح سؤالًا مهمًا: أي تراث نريد؟ فليس كل ما هو قديم جيدًا، وليس كل ما هو جديد سيئًا. علينا أن نأخذ من التراث ما يخدم الإنسان: العدل، والكرامة، والمعرفة، والحرية. ونترك ما جعل الإنسان خائفًا أو خاضعًا أو متخلفًا.

أما المفكر المغربي محمد عابد الجابري، فيقول إن علينا أن نقرأ التراث بعقل نقدي، لا أن نأكله كما هو. فالعقل العربي يحتاج إلى أن يتحرر من التكرار والتقليد، ويستعيد قدرته على السؤال والنقد والتفكير.

المصالحة مع التراث

إذن، المصالحة مع التراث ليست رجوعًا إلى الماضي كما كان، بل إعادة قراءته بما يناسب الحاضر. نأخذ من التراث روحه لا جموده؛ قيمه الإنسانية لا سلطة نصوصه؛ أسئلته الكبرى لا إجاباته الجاهزة.

فالتراث ليس عدوًا، ولا هو حلّ سحري. إنه أرض نستعيد منها ما ينفع، ونترك ما أرهقنا. وهكذا فقط تصبح العودة إلى الماضي بدايةً للمستقبل، لا هروبًا منه.

أن تكون على قيد الحياة

أن تكون على قيد الحياة لا يعني أن تتنفس فقط، ولا أن تعمل وتستهلك وتتنقل بسرعة. بل يعني أن تشعر، وأن تتأمل، وأن تربط ماضيك بحاضرك، وأن تجد في التراث صدىً لأسئلتك لا جوابًا يُفرض عليك.

فحين نعود إلى أصواتنا القديمة، ولغتنا، وذكرياتنا، وقيمنا الإنسانية، نجد أنفسنا نردّ على العالم بدل أن يبتلعنا. وهكذا فقط نستطيع أن نقول: نحن فعلًا على قيد الحياة، لا مجرد ناجين من زمنٍ يركض بنا.

خاتمة

إذا كان التسارع يخطف منا الفسحة، فإن التراث، حين نقرأه بعقل لا بخوف، يعيد إلينا تلك الفسحة: لحظة هدوء، وذاكرة دافئة، وشعورًا بأننا ما زلنا إنسانًا، ما زلنا نعيش.

فلا نخف من المستقبل، ولا نحبس أنفسنا في الماضي. بل نمشي بينهما بعقلٍ واعٍ وقلبٍ حي، ونصنع حياةً تشبهنا، لا حياةً تشبه الآلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *