بئر الرذيلة
قصة قصيرة
بقلم إبراهيم الطير
لم تكن سهير، ذات السبعة والعشرين عاماً، تعلم أن الطريق الذي بدأته بوردة وكلمة حب، سينتهي بها إلى المجهول، تحمل رضيعاً بين ذراعيها، وتبحث عن مأوى بعدما أُغلقت في وجهها كل الأبواب.
بدأت الحكاية خلف الشاشة الزرقاء، حيث تعرفت إلى سعيد. كلمات معسولة، ووعود براقة، وورود تحولت مع الوقت إلى هدايا وأموال. كانت فتاة لم يسبق لها الزواج، تبحث عن أمان، فظنت أنها وجدت فارس أحلامها.
أما سعيد، فكان رجلاً متزوجاً، أباً لولدين، يعيش مع أسرته في بيت العائلة. مقاول ميسور الحال، لا ينقصه شيء، رجل يجيد الحفاظ على استقرار بيته، ويجيد أيضاً إشباع نزواته بعيداً عن أعين زوجته.
أحبته سهير بصدق، أو هكذا توهمت أن الحب يكون. أما هو فلم يفكر يوماً في الزواج منها. لم يكن مستعداً للتضحية ببيته من أجل امرأة أخرى. كان يريدها عشيقة لا زوجة، ورفيقة لقاءات سرية لا شريكة حياة.
تكررت لقاءاتهما في الحدائق والمقاهي، وتعلقها به كان يزداد يوماً بعد يوم، وهي تنتظر الكلمة التي ستغير مصيرها: “سأتزوجك”.
لكن الكلمة لم تأتِ.
ومع الوقت، تكشفت لها الحقيقة: سعيد لن يترك حياته المستقرة من أجلها، ومهما قدمت، ستظل على هامش حياته، بلا مكان في بيته ولا مستقبل معه.
هنا تسللت الفكرة الشيطانية.
كان لسعيد أخ أصغر يدعى سامر، يعمل في الخارج ولا ينزل إلى مصر إلا في إجازات متباعدة. رأى سعيد في أخيه مخرجاً، ورأت سهير في الأمر سبيلاً للبقاء قريبة ممن أحبت، ولو خلف ستار الزواج.
اتفقا على أن يتزوج سامر من سهير.
بدأ سعيد يرسم الخطة. راح يمدح الفتاة أمام أخيه، يعدد محاسنها، ويؤكد أنها الزوجة التي ستصون بيته في غيابه. في المقابل، تعمدت سهير لفت انتباه سامر، بنظرات تحمل من الإيحاء أكثر مما تحمل من البراءة، حتى التفّت خيوط اللعبة حوله دون أن يدرك.
لم يمض وقت طويل حتى تمت الخطبة، ثم الزواج سريعاً، وعادت سهير إلى بيت العائلة زوجة لسامر، بينما سعيد يسكن البيت نفسه.
تحقق ما أراده العاشقان.
أصبحت سهير زوجة في الأوراق، وعشيقة في الواقع، ولم يعد يفصل بينها وبين سعيد سوى باب خشبي يمكن أن يُفتح في غفلة من الجميع.
انتهت إجازة سامر وعاد إلى عمله في الخارج، تاركاً زوجته في بيت العائلة، مطمئناً لاختياره. لم يكن يعلم أن ثقته صارت ستاراً لخيانة لم تخطر بباله.
صار اللقاء بين سهير وسعيد أسهل من أي وقت مضى. سقف واحد يجمعهما، وجدران تستر سرهما، وزوج غائب لا يدري أن أخاه الذي ائتمنه على بيته، صار شريكاً في هدمه.
ظنا أن الأمور ستبقى تحت السيطرة إلى الأبد، وأنهما قادران على خداع الجميع.
لكن للحياة مفاجآتها، وللأفعال عواقب لا مفر منها.
بعد عام من سفر سامر، بدأت سهير تشعر بتغيرات في جسدها. حاولت تجاهل الأمر، لكن الشك سرعان ما تحول إلى يقين.
كانت حاملاً.
وقعت الحقيقة عليهما كالصاعقة. لم تكن المشكلة في الحمل وحده، بل في السؤال الذي سيطارد الجميع إن انكشف السر: كيف تحمل زوجة رجل غائب منذ عام؟
بدأ الخوف الحقيقي.
حاولا التخلص من الجنين، وبحثا عن وسيلة لإخفاء ما حدث قبل أن يفتضح الأمر، لكن محاولاتهما باءت بالفشل. ومع مرور الأيام، لم يعد بالإمكان إخفاء شيء، وانكشفت الحقيقة التي ظناها حبيسة الجدران.
وصل الخبر إلى سامر في غربته.
كانت صدمته أكبر من أن يستوعبها. فالخيانة لم تأته من زوجته وحدها، بل من أخيه، أقرب الناس إليه، الذي ائتمنه على بيته.
عصف الخبر ببيت العائلة، وتحول الهدوء إلى ساحة غضب واتهامات. ومع صغر القرية وخوف العائلة من الفضيحة، قرروا اللجوء إلى جلسة عرفية، لطي الصفحة بعيداً عن المحاكم وألسنة الناس.
اجتمع كبار العائلة، وتوالت كلمات اللوم والعتاب، وانتهت الجلسة بقرار قاسٍ: يغادر سعيد بيت العائلة نهائياً وينتقل إلى بلد آخر، ويطلق سامر زوجته.
ظن الكبار أن كل شيء انتهى، أو هكذا أرادوا أن يصدقوا.
لكن ماذا عن سهير؟
حملت رضيعها وغادرت بيت الزوجية إلى بيت أبيها في قرية مجاورة، لعلها تجد فيه ملاذاً. كانت تظن أن الأب، مهما اشتد غضبه، لن يغلق بابه في وجه ابنته.
لكنها كانت مخطئة.
كان الخبر قد سبقها. وعندما عرف الأب التفاصيل، رفض استقبالها. لم يحتمل رؤيتها، ولم يستطع أن يفصل بين خطئها والطفل الذي تحمله.
أُغلق الباب في وجهها.
وقفت تحدق في الباب المغلق، كأنها تنتظر أن يُفتح من جديد، أو أن يخرج أحدهم ليقول لها إن ما حدث لم يكن إلا كابوساً ثقيلاً.
لكن الصمت كان جوابهم الوحيد.
نظرت إلى رضيعها، فوجدته يحدق فيها بعينين بريئتين لا تعرفان شيئاً عن الخيانة ولا عن قسوة البشر. طفل وجد نفسه يدفع ثمن خطايا لم يرتكبها، محروماً من بيت أبيه، ومرفوضاً من بيت جده.
ضمته إلى صدرها ومضت.
غادرت القرية وسارت في طرق مجهولة، هاربة من العيون والألسنة التي لا ترحم، لا تدري أين ستبيت ليلتها، ولا إلى أين تقودها خطواتها.
أدركت متأخرة أن الحب حين يتحول إلى نزوة، والخيانة حين تصبح طريقاً للرغبات، لا يتركان خلفهما سوى الندم والضياع.
ومضت تحمل طفلها ومأساتها، بينما ظل مصيرهما مجهولاً، كأنهما ابتلعهما بئر عميق لا قرار له.
تمت

