نهرب من تربيتنا.. ونكررها مع أولادنا
بقلم / داليا حسام
بين ما تربينا عليه، وما نحاول أن نربي أبناءنا عليه، تناقضات كثيرة نعيشها أحيانًا من غير أن ننتبه.
فهل نحن فعلًا نورّث أبناءنا قيمنا؟
أم أننا نورّثهم مخاوفنا وتجاربنا القديمة؟
في مفارقة غريبة تحدث داخل بيوت كثيرة، قد نجد الأب الذي كان طوال حياته متضايقًا لأن والده لم يكن يستمع إليه، يكبر ويجد نفسه يفعل الشيء نفسه مع ابنه.
والأم التي كانت تتمنى في طفولتها أن تجد من يفهمها بدلًا من أن يحكم عليها، قد تجد نفسها تحكم على ابنتها قبل أن تسمعها.
والشاب الذي عاش سنوات يحاول أن يثبت لأهله أن له شخصية مستقلة، قد يصبح عندما يكون أبًا، يطلب من ابنه أن ينفذ كلامه من دون نقاش.
كأننا أحيانًا نهرب من طريقة تربيتنا، ثم نكتشف بعد سنوات أننا نكررها.
نحن نريد أبناءنا أن يكونوا أفضل منا؛ أكثر ثقة، وأكثر جرأة، وأكثر قدرة على الاختيار، وأكثر وعيًا.
نريدهم أن يقولوا رأيهم، ويختاروا مستقبلهم، وأن تكون لهم شخصيات مستقلة.
لكن أول ما يبدأون فعلًا في ممارسة هذا الاستقلال… نخاف.
لماذا؟
لأن استقلال الابن على الورق شيء جميل، لكن استقلاله الحقيقي قد يخيف الأب والأم.
عندما يقول ابنك:
«أنا مش عايز أدخل الكلية دي.»
وعندما تقول ابنتك:
«أنا شايفة الموضوع بطريقة مختلفة.»
وعندما يرفض ابنك وظيفة تراها أنت ممتازة، أو تختار ابنتك مجالًا أنت لا تفهمه.
هنا تظهر المشكلة الحقيقية:
هل نحن نريد أبناءنا مستقلين فعلًا، أم نريدهم مستقلين طالما أن اختياراتهم هي اختياراتنا؟
نحن لا نربي أبناءنا فقط.. أحيانًا نربي أحلامنا القديمة
الأب أحيانًا لا يرى ابنه كما هو، وإنما يراه كما كان يتمنى أن يكون هو.
والأم أحيانًا لا تسمع ابنتها فقط، وإنما تسمع من خلالها أحلامًا قديمة لم تتحقق.
«أنا ماعرفتش أعمل كذا، يبقى لازم إنتِ تعمليه.»
«أنا ماخدتش الفرصة دي، يبقى لازم تستغليها.»
«أنا تعبت عشان أوصل، يبقى لازم تختار الطريق اللي أنا شايفه صح.»
والنية هنا قد تكون جميلة جدًا.
الأهل يريدون الخير لأبنائهم.
لكن الخير من وجهة نظر الأب أو الأم ليس بالضرورة هو الخير من وجهة نظر الابن.
فكل إنسان له زمنه، وشخصيته، وقدراته، وطموحاته، ومعاركه التي لا نعرف عنها كل شيء.
وهنا نبدأ أحيانًا في الخلط بين النصيحة والتحكم.
النصيحة تقول:
«أنا شايف كذا.. وإنت في النهاية صاحب القرار.»
أما التحكم فيقول:
«أنا عارف مصلحتك، وبالتالي لازم تعمل اللي أنا شايفه.»
الفرق بين الاثنين قد يبدو بسيطًا في الكلام، لكنه ضخم جدًا في النتيجة.
الأول يعلم الابن المسؤولية.
أما الثاني، فقد يعلمه الاعتماد على رأي الآخرين وانتظارهم ليقرروا عنه.
والطفل الذي لا يُسمح له بالاختيار وهو صغير، قد يكبر وهو ينتظر من الآخرين أن يختاروا له.
ثم نسأله بعد ذلك:
«إنت مالكش شخصية ليه؟»
عايزينه جريئًا.. ونخوفه من الغلط
نقول لابننا:
«جرب.»
لكن عندما يجرب ويفشل نقول له:
«أنا مش قلتلك؟»
نقول:
«اتعلم من غلطك.»
ثم نحاسبه وكأن الخطأ جريمة.
نقول:
«خليك واثق في نفسك.»
ثم نقارنه بأخيه أو بابن خالته.
نقول:
«ما تهتمش بكلام الناس.»
ثم نسأله:
«الناس هتقول علينا إيه؟»
نقول:
«اختار اللي بتحبه.»
ثم نضع أمامه قائمة طويلة من الاختيارات المسموح بها.
والطفل هنا لا يفهم الرسالة الحقيقية من كلامنا.
هو يسمع شيئًا آخر:
«كن نفسك.. لكن كن النسخة التي نحن موافقون عليها.»
نحن أيضًا نورّثهم مخاوفنا
كل أب وأم لديه خوف.
أب يخاف على ابنه من الفشل.
وآخر يخاف عليه من الناس.
وثالث يخاف من المستقبل.
وأم تخاف أن تتألم ابنتها.
والخوف الطبيعي جزء من الحب.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الخوف إلى طريقة حياة.
فنمنع التجربة حتى لا يحدث الفشل.
ونمنع الاستقلال حتى لا تحدث الصدمة.
ونمنع الاختلاف حتى لا يتكلم الناس.
وفي النهاية نكتشف أننا لم نحمه من الحياة…
إحنا حميناه من إنه يتعلم يعيشها.
هل معنى ذلك أن نترك أبناءنا يفعلون ما يريدون؟
طبعًا لا.
الحرية من غير مسؤولية فوضى، والتربية من غير حدود فوضى أيضًا.
المطلوب ليس أن يصبح الأب صديقًا لابنه طوال الوقت، ولا أن توافق الأم على كل شيء.
المطلوب شيء أصعب:
أن نعرف متى نتدخل.. ومتى نترك المساحة.
أن نقول «لا» عندما تكون «لا» ضرورية.
وأن نقول «مش عارف» عندما لا نعرف.
وأن نقول «إنت عندك حق» حتى لو كنا الأكبر سنًا.
وأن نسمح لابننا أن يختلف معنا من غير أن نعتبر اختلافه عقوقًا.
فالتربية المتوازنة لا تعني غياب الحدود، وإنما تعني وجود حدود مع مساحة للحوار والاستقلال وتحمل المسؤولية.
ابنك مش نسخة مطورة منك
دي يمكن أصعب حقيقة في الموضوع كله.
ابنك مش جاي يكمل حياتك اللي ماكملتهاش.
وبنتك مش مشروع لتحقيق أحلامك المؤجلة.
هم مش فرصة ثانية عشان تصلح أخطاء الماضي.
هم أشخاص مستقلون.
ممكن يحبوا حاجات أنت ما بتحبهاش.
وممكن يختاروا طريقًا أنت ما كنتش هتختاره.
وممكن يكونوا مختلفين عنك جدًا…
ومع ذلك يكونوا ناجحين وسعداء.
دورك مش إنك تكتب لهم السيناريو.
دورك إنك تعلمهم إزاي يمسكوا القلم.
العالم الذي تربينا فيه لم يعد هو العالم الذي يعيش فيه أولادنا
قبل أن نقول:
«ابني اتغير.»
أو:
«بنتي مش زي زمان.»
أو:
«الجيل ده غريب.»
نسأل نفسنا الأول:
هل إحنا فعلًا بنحاول نفهم الجيل الجديد، ولا بنطلب منه يعيش بنفس الأدوات اللي إحنا عشنا بيها؟
العالم الذي تربينا فيه لم يعد هو العالم نفسه الذي يعيش فيه أبناؤنا.
الوظائف تغيرت.
والتكنولوجيا غيرت شكل العلاقات.
وطريقة التواصل تغيرت.
ومصادر المعرفة تضاعفت.
والطفل الذي كان يحتاج إلى أن يسأل والده عن معلومة، يستطيع اليوم أن يجد آلاف الإجابات خلال دقائق.
وده مش معناه إن الأب والأم فقدوا دورهم.
بالعكس.. دورهم أصبح أهم.
لكن بدل ما يكون دورهم «مصدر كل الإجابات»، أصبح دورهم أن يكونوا البوصلة.
أكبر حب.. أن تمنح ابنك الأمان ليكون نفسه
يمكن أكبر حب نقدمه لأولادنا مش إننا نمنع عنهم كل ألم.
ولا إننا نختار لهم الطريق الأسهل.
ولا إننا نجعل حياتهم نسخة من حياتنا.
يمكن أكبر حب هو أن نمنحهم شيئًا إحنا نفسنا كنا محتاجينه:
الأمان الذي يسمح لهم بأن يكونوا أنفسهم.
أن يعرف الابن أنه يستطيع أن يختلف دون أن يخسر حب أهله.
وأن تخطئ البنت دون أن تشعر أن الخطأ أسقط قيمتها.
وأن يختاروا طريقهم وهم يعرفون أن وراءهم بيتًا يعودون إليه.
لأن التربية في النهاية ليست أن نصنع أبناءً يشبهوننا.
التربية الحقيقية أن نساعد أبناءنا أن يصبحوا أفضل نسخة من أنفسهم.. لا أفضل نسخة منا.
ويمكن قبل ما نسأل أبناءنا:
«إنت ليه مش زي ما إحنا عايزين؟»
نسأل نفسنا الأول:
«هو إحنا عايزينهم يكونوا نفسهم.. ولا عايزينهم يكونوا الصورة اللي إحنا رسمناها لهم؟»
هنا بالضبط…
يبدأ الفرق بين التربية والسيطرة.


