التسول.. ما بين الاحتياج والحرفة
بقلم: إبراهيم الطير
لم يعد التسول مشهدًا عابرًا في شوارعنا، بل أصبح ظاهرة واضحة تفرض حضورها أمام إشارات المرور،
وعلى أبواب المساجد، وبجوار المتاجر، وفي مختلف الأماكن التي يتردد عليها الناس.
وبين نظرة شفقة تدفع إلى العطاء، ونظرة حذر تدفع إلى التردد،
نظرة المجتمع
يقف المجتمع أمام سؤال مهم: هل نحن أمام احتياج حقيقي يستوجب الرحمة والمساندة،
أم أمام حرفة يتقنها البعض ويتخذون منها مصدرًا دائمًا للدخل؟
لا يمكن إنكار أن هناك من دفعتهم الظروف القاسية إلى مد أيديهم طلبًا للعون؛
فالفقر والبطالة والمرض وفقدان المعيل، وغيرها من الظروف الصعبة، قد تحاصر الإنسان وتسلبه القدرة على توفير أبسط احتياجات الحياة.
وهؤلاء هم أولى الناس بالرعاية والمساندة، لأن قوة المجتمع لا تقاس فقط بما يملكه أغنياؤه،
وإنما بقدرته على احتواء أضعف أفراده، وتقديم العون لهم بصورة تحفظ كرامتهم وتصون إنسانيتهم.
مهنة و مكسب سريع
وفي المقابل، ظهرت فئة أخرى اتخذت من التسول عملًا دائمًا ومصدرًا للرزق، تعتمد على استدرار العاطفة واستغلال طيبة القلوب،
وقد تتطور بعض الحالات إلى ممارسات منظمة يستفيد منها آخرون، لتتحول الرحمة من قيمة إنسانية نبيلة إلى وسيلة للكسب والاستغلال.
وهنا لا تكمن المشكلة في العطاء ذاته، فالرحمة ليست عيبًا، ومساعدة المحتاج قيمة إنسانية وأخلاقية عظيمة،
وإنما تكمن المشكلة في الطريقة التي نوجه بها هذا العطاء.
فالمجتمع لا يُلام على رحمته، لكنه يحتاج إلى وعي يساعده على تنظيم هذه الرحمة،
وتوجيهها إلى مستحقيها من خلال قنوات موثوقة تضمن وصول الدعم إلى المحتاج الحقيقي، وتحفظ له كرامته بعيدًا عن الإهانة أو الاستغلال.
بين الرحمة و الإنكار
ويبقى التحدي الحقيقي في تحقيق التوازن بين الرحمة والحزم، وبين التعاطف والوعي.
فلا ينبغي أن يؤدي الخوف من استغلال البعض إلى إغلاق أبواب الخير في وجه المحتاجين،
كما لا ينبغي أن تتحول مشاعرنا النبيلة إلى فرصة يستغلها من جعلوا التسول حرفة ومصدرًا ثابتًا للدخل.
ولعل الحل يبدأ من نشر ثقافة العمل، وتعزيز قيم التكافل الاجتماعي المنظم، وتوفير سبل الدعم الحقيقي للفئات الأكثر احتياجًا،
حتى لا يبقى التسول طريقًا مفتوحًا بين الحاجة والحرفة،
بل يصبح مجرد مرحلة عابرة يتجاوزها الإنسان نحو حياة أكثر استقرارًا وأمانًا وكرامة.
فالرحمة مطلوبة.. لكن الرحمة الواعية أكثر نفعًا، والعطاء الحقيقي هو الذي يصل إلى من يستحقه.


