دور الدراما في تشكيل الوعي العربي.. من «أريد حلًا» إلى «ضد الحكومة»
الرئيسية » من صرخة «كلنا فاسدون» إلى زمن التسطيح: كيف خسر الوجدان العربي دراما «محنة التغيير»؟
مقالاتمنوعات

من صرخة «كلنا فاسدون» إلى زمن التسطيح: كيف خسر الوجدان العربي دراما «محنة التغيير»؟

كتب المقال بواسطة أ/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

من صرخة «كلنا فاسدون» إلى زمن التسطيح: كيف خسر الوجدان العربي دراما «محنة التغيير»؟

بقلم: عبد المجيد عبوبي – المغرب

مقدمة:

دفء البيوت المغربية ورسائل الشرق

لم تكن المسلسلات والأفلام المصرية التي عاشت في وجدان الأسرة المغربية طوال عقود مجرد وسيلة للترفيه أو ملء الفراغ،

بل كانت تشكل المستورد الفكري والوجداني الذي يصنع الوعي الجمعي ويمنح البيوت دفئها الإنساني.

لقد استطاع الفن السينمائي والدرامي آنذاك أن يمارس دوراً خطيراً في تعرية الواقع، ويضع المجتمع والسلطة أمام مرآة الذات،

مجسداً ما سماه علي شريعتي بـ المعلم المتألم—ذلك الفن والمثقف الذي ينبع من رحم التاريخ وآلام المجتمع ليحمل رسالة وعي لا مجرد ترف.


أولاً: من فيلم “أريد حلاً” إلى “ضد الحكومة”.. الفن كقوة تشريعية وجودية

حين أطلت فاتن حمامة في فيلم “أريد حلاً”، لم ينحصر أثر العمل في صالات السينما،

بل أحدث زلزالاً اجتماعياً وسياسياً نتج عنه تعديل قوانين الأحوال الشخصية لصالح المرأة.

لقد أثبت الفن حينها أنه يمتلك حس المسؤولية المزدوجة بأن يكون مفكراً وفاعلاً في آن واحد،

محولاً معاناتها الفردية إلى قضية رأي عام ومطالبة إصلاحية يمتد أثرها من القاهرة إلى المغرب العربي.

وفي تجربة أكثر عمقاً وجودياً وسياسياً، جاء فيلم “ضد الحكومة” بصرخة أحمد زكي الشهيرة:

“كلنا فاسدون.. لا أستثني أحداً!“.

لم يكن ذلك الخطاب مجرد حوار سينمائي، بل كان لحظة كشف وانكشاف وجودية تهز أركان البنية الاجتماعية والسياسية، وتطرح سؤال المسؤولية الأخلاقية الشاملة.

خاضت الصحافة المغربية والمصرية حينها نقاشات وسجالات فلسفية حول الفساد الهيكلي والذنب الجمعي.

وهنا نلمس تقاطعاً صريحاً مع رؤية إريك هوفر في كتابه محنة التغيير؛ حيث يوضح أن التغيير العميق لا يحدث إلا من خلال الأزمات والانكسارات الكبرى،

وأن الفن الصادق هو الذي يضع الإنسان والمجتمع في مواجهة حالة اللايقين ليحرك الاستعداد النفسي للتغيير والإصلاح.

ثانياً: انكسار “البنية السياسية الأدبية” وسيادة التسطيح

اليوم، نجد أنفسنا أمام غياب تام لهذه البنية السياسية الأدبية.

لقد اختفت تلك الأعمال التي تزلزل الركود الصامت، وحل محلها منتج درامي وسينمائي استهلاكي ينفصل عن واقع الناس وآلامهم، ويخضع لسطوة المادية والسوق.

إذا عدنا إلى طروحات علي شريعتي، نجد أنه حذر من تحول الوسائط الثقافية والمؤسسات إلى أدوات مسلوبة لا تلتزم بالمضمون بقدر ما تلتزم بالتسلية العابرة أو خدمة السلطة والإعلان.

كما أن إريك هوفر يبين أن مجتمعات الرفاهة السطحية أو الاستهلاك تميل إلى الهروب من محنة التغيير والتستر على الانكشاف،

بتعويض الفن القومي والفكري بأشكال من الترفيه المخدر الذي يحمي الشكليات ويبعد الجماهير عن مواجهة المجهول أو نقد الذات.

خاتمة: البحث عن الوعي المفقود

إن الحنين الذي يحمله المتابع المغربي والعربي لأفلام الماضي ليس مجرد حنين للزمن الجميل، بل هو حنين للوعي والرسالة؛

حنين لزمن كان فيه الفن قادراً على تغيير القانون كما في أريد حلاً، وقادراً على صدمة الضمير الجمعي كما في ضد الحكومة.

لقد خسرنا بفقد هذه الأعمال ذلك الدفء الأسري الذي كان يجمعنا على قضية وفكرة، وأصبحنا نعيش في زمن تسود فيه الثقافة العابرة.

إن استعادة الفن لدوره التاريخي تتطلب عودة المثقف والسينمائي الحقيقي الذي يجرؤ على إدخال المجتمع في محنة التغيير،

ليكون كما أراده شريعتي: ضميراً ناطقاً للأمة والمعلم المتألم الذي يصنع الوعي والعدالة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *