محمود السنكري يكتب: الماضي لا يصلح للإقامة الدائمة - النايل نيوز
الرئيسية » محمود السنكري يكتب: الماضي لا يصلح للإقامة الدائمة
مقالات

محمود السنكري يكتب: الماضي لا يصلح للإقامة الدائمة

كتب المقال بواسطة أ/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

محمود السنكري

ليس من الحكمة أن نقضي أعمارنا في مراجعة ما انتهى أو نستهلك طاقتنا في الندم على قرارات مضت بينما الحياة تمضي ولا تنتظر أحدًا. 

فالماضي مهما حمل من أفراح وخيبات أصبح جزءًا من حكايتنا ولا يمكن تغييره مهما بالغنا في استعادته.

الإنسان العملي لا ينكر الماضي لكنه لا يسمح له بأن يعطّل الحاضر أو يسرق المستقبل…

هناك من يتعامل مع التجارب باعتبارها دروسًا يتعلّم منها وهناك من يحوّلها إلى قيود تمنعه من التقدّم، الأول يراجع أخطاءه ليحسّن قراراته والثاني يعيد محاكمتها دون أن يغيّر شيئًا.

والفرق بينهما ليس في حجم الخسارة بل في القدرة على التعامل معها بوعي وواقعية.

إذا أخطأت فتعلّم، وإذا خسرت فافهم أسباب الخسارة، وإذا خُذلت فأعد تقييم ثقتك بالآخرين دون أن تعاقب الجميع بخطأ فرد ، وإذا انتهت علاقة فاسأل نفسك بصدق هل هناك فرصة حقيقية للإصلاح أم أنني أتمسّك بما لم يعد موجودًا؟

فليس كل ما نحبّه صالحًا للاستمرار وليس كل ما فقدناه يستحق الاستعادة وليس كل باب أُغلق يستحق أن نقضي أعمارنا في محاولة فتحه.

لا قيمة لدرسٍ لا يغيّر سلوكنا ولا فائدة من ندمٍ لا يقود إلى قرار أفضل.

إنّ الواقعية لا تعني التخلّي عن المشاعر بل ألّا نجعلها وحدها تتحكّم في قراراتنا، نحزن على ما فقدنا لكننا لا نتوقف عن الحياة.

نراجع أخطاءنا لكننا لا نحاكم أنفسنا إلى الأبد ونحاول إصلاح ما يستحق الإصلاح ثم نمتلك الشجاعة للانسحاب حين يصبح الاستمرار استنزافًا لا طائل منه.

فالنضج ليس أن نحصل على كل ما نريد بل أن نعرف ما يستحق المحاولة وما ينبغي تقبّله ومتى يكون تغيير الاتجاه أكثر حكمة من الإصرار على طريق لم يعد يقود إلى نتيجة.

ولا تحاكم نفسك اليوم بعقل الأمس فقد أخطأت بما كنت تملك من معرفة وأصبحت الآن تملك خبرة لم تكن متاحة لك وقتها.

تحمّل مسؤولية ما فعلت وأصلح ما تستطيع ثم امنح نفسك فرصة للتقدّم فالتجربة لا تصبح مكسبًا لمجرد أننا عشناها بل حين نخرج منها بوعي يغيّر اختياراتنا.

وفي الحياة العملية لا تتغيّر النتائج بكثرة التفكير فيما كان ينبغي أن يحدث بل بتحديد ما يمكن فعله الآن. 

ضع أهدافك ورتّب أولوياتك واستثمر وقتك في عمل ينفعك وعلاقات تضيف إلى حياتك ولا تنتظر اعتذارًا من أحد كي تستعيد توازنك أو ظروفًا مثالية كي تبدأ من جديد.

قد لا نستطيع استعادة فرصة ضاعت لكننا نستطيع الاستعداد لما يأتي وقد لا نملك تغيير قرارات الآخرين لكننا نملك مراجعة قراراتنا. 

وهذه هي حدود المسؤولية التي ينبغي أن نوجّه إليها طاقتنا بدلًا من استنزافها فيما لا نملك تغييره.

الماضي ليس عدوّك لكنه ليس وطنك… خذ منه الخبرة واترك فيه الندم الذي استنفد غايته ولا تسمح له بأن يتحوّل إلى عذر لتأجيل حياتك.

فالعاقل لا يقضي عمره في رثاء ما خسره ولا ينشغل بإثبات أنه كان على حق بقدر انشغاله باتخاذ القرار الصحيح اليوم. 

يعرف أن الوقت لا يعود وأن الفرص لا تنتظر دائمًا وأن الإصرار فضيلة حين يقود إلى نتيجة لكنه يصبح عنادًا حين لا يفعل سوى مضاعفة الخسائر.

 

الماضي لا يصلح للإقامة الدائمة… 

إنه مكان نراجع فيه تجاربنا لا مكان نهرب إليه من مسؤولياتنا. 

تعلّم منه واتّخذ قرارك في الحاضر واستعدّ للمستقبل.فالحياة لا تمنحنا فرصة لإعادة كل شيء لكنها تمنحنا فرصة أن نفعل ما هو أفضل بما تبقّى لدينا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *