الرئيسيةمقالاتالذين اعتنقوا الإسلام في القرن التاسع عشر
مقالات

الذين اعتنقوا الإسلام في القرن التاسع عشر

الذين اعتنقوا الإسلام في القرن التاسع عشر

 

بقلم : أحمد شوقي عفيفي

داعية إسلامي وكاتب بنغالي

 

لم يكن القرن التاسع عشر في بريطانيا مجرد حقبة زمنية تعاقبت فيها الأحداث، بل كان مسرحا واسعا لقلق الإنسان الحديث، حين بلغت الإمبراطورية أوج سلطانها، وبلغت الأرواح في المقابل ذروة عطشها إلى المعنى. ففي زمن ازدحمت فيه المصانع، وضجت المدن بدخان الحديد وصخب السياسة، أخذت قلوب يقظة تتلمس طريقها خارج أسوار المألوف، باحثة عن يقين لا تصنعه القوة ولا تمنحه المكانة الاجتماعية.

ومن بين تلك القلوب، نهض رجال ونساء من أبناء الغرب، لم تجمعهم طبقة ولا مهنة ولا خلفية واحدة، لكن جمعهم صدق السؤال ونقاء الفطرة. قادتهم الرحلات إلى الشرق، أو المعايشة الصامتة للمسلمين، أو القراءة المتأنية، إلى اكتشاف الإسلام لا بوصفه دينا غريبا، بل حقيقة حية تخاطب العقل والروح معا. فاختاروه اختيار العارف، لا اندفاع المتحمس، وحملوه في قلوبهم رسالة في زمن لم يكن فيه الإسلام مألوفا ولا مرحبا به.

لم تكن مسالكهم واحدة، فمنهم من جهر بإسلامه ووقف ثابتا في وجه السخرية والتشويه، ومنهم من آمن سرا واكتفى بأن يكون منصفا ومدافعا عن الحق في ميادين الفكر والسياسة. غير أن أثرهم جميعا تجاوز أعمارهم، إذ كانوا بذورا أولى لحضور إسلامي واع في بريطانيا، وجسورا إنسانية مبكرة بين عالمين فرقتهما الصور النمطية وجمعتهما الحقيقة.

هذا المقال قراءة في سير أولئك الذين اعتنقوا الإسلام في القرن التاسع عشر، لا باعتبارهم حكايات عابرة في هوامش التاريخ، بل بوصفهم شواهد حية على أن الهداية لا تعترف بجغرافيا، وأن نور الإيمان إذا طرق قلبا صادقا، وجد إليه السبيل مهما تباعدت المسافات وتعاظمت الحواجز.

1. عبد الله كويليم

ولد وليم هنري كويليم في ليفربول سنة 1856م، في بيت يعبق بالتحضر والثقافة القانونية. كان شابا لامعا في مهنته، لكن قلبه كان يتجاوز حدود المحاكم والمرافعات، يفتش عن معنى أعمق. وحين حملته الأقدار إلى المغرب في أواسط ثمانينيات القرن التاسع عشر، انفتح أمامه عالم جديد: وجوه المسلمين، وسجادتهم، وسلام حياتهم الروحية. كل ذلك أشعل في داخله نورا لم يخب بعد ذلك أبدا. عاد إلى بلاده مسلما يحمل اسم عبد الله كويليم، ومعه مشروع نهضة. ففي سنة 1889م أسس أول مسجد رسمي في بريطانيا، فتح أبوابه للباحثين عن الحقيقة، وبنى مدرسة ومكتبة وصحيفتين، وصار صوتا للإسلام في أوروبا الغربية. كان رجلا ثابتا أمام عواصف النقد، يحاضر، ويجادل، ويدخل المئات إلى الإسلام. حتى السلطان عبد الحميد الثاني منحه لقب شيخ الإسلام في الجزر البريطانية. رحل في 1932، لكن ظله ما يزال حيا في تاريخ الإسلام البريطاني.

 

2. اللورد ألدرلي

أبصر اللورد ألدرلي نور الحياة سنة 1802م، وكان ابن طبقة النبلاء، يلبس بذلات الحكم ويجلس تحت قباب مجلس اللوردات، لكنه كان يحمل في داخله تساؤلات عميقة لا تشبعها السياسة ولا المراتب. خلال سفراته واحتكاكه بالمسلمين في الهند، وجد في الإسلام عدالة تتجاوز عوالم البشر. آمن بالدين سرا في منتصف القرن، لكنه جهر بمواقفه من خلال الدفاع عن المسلمين، ودعم الكتب المنصفة، وإزالة ما يلحق بالإسلام من تشويه متعمد. كان رجلا بتعبير المؤرخين أسلم قلبه، وإن لم يعلن لسانه، وكان أول سياسي بريطاني ينصف الإسلام عن وعي ومعرفة. مات سنة 1869م، لكن أثره بقي في صفحات الفكر البريطاني.

 

3. فاطمة كيتس

في أحياء ليفربول الفقيرة ولدت كاثرين كيتس سنة 1865م، لكنها حملت روحا بازغة لا تشبه فقر محيطها. حين سمعت بمحاضرات كويليم، جلست تستمع، فانفتح قلبها، وأسلمت واتخذت اسم فاطمة. لم تكتف بإسلامها، بل صارت رائدة العمل النسائي الإسلامي. أسست مع أخواتها جمعية النساء المسلمات، تعلم وترشد وتخدم. كانت مثالا يبطل الصورة النمطية التي أراد المجتمع الفيكتوري إلصاقها بالمسلمة.

رحلت في ريعان شبابها سنة 1900م، تاركة أثرا يفوق عمرها القصير.

 

4. هنا جونز

ولدت هنا جونز سنة 1860م، وكانت هنا امرأة بسيطة، لكنها حادة الذكاء، تبحث عما يملأ روحها. حضرت محاضرة لكويليم، فوجدت نفسها في الإسلام. لما دخلته، دخلته بعقلها وقلبها، فصارت معلمة النساء في مسجد ليفربول، وراعية الفقراء والمرضى. كانت حضورا نورانيا بين نساء الجالية، تؤنس وحشتهم، وتربطهم بدينهم في زمن كان الإسلام فيه غريبا في تلك البلاد. ظل اسمها يتردد بين صفحات التاريخ كواحدة من أوائل المعلمات المسلمات. رحلت في شبابها سنة 1900م.

 

5. عبد الله كريجر

ولد عبد الله كريجر سنة 1820م وكان فريدريك كريجر ضابطا في الجيش البريطاني، يحمل بنادق المستعمرات لكنه كان يحمل أيضا قلبا يتأمل الناس وثقافاتهم. في الجزائر رأى شيئا مختلفا: رأى صدق البسطاء، ونقاء التوحيد، وسكينة تخفي وراءها عمقا روحيا ساحرا. فأسلم هناك. عاد يكتب الرسائل والمقالات، يدافع عن الإسلام من داخل المؤسسة التي لم تعتد سماع هذا الصوت. كان شاهدا حيا على أخلاق المسلمين، وصوتا مبكرا للحق في زمن العلو الاستعماري.

 

6. جيمس أرشيبالد

ولد جيمس أرشيبالد في بيت يعرف البحر قبل أن يعرف المدرسة سنة 1940م، ونشأ على رائحة السفن والمرافئ. وأثناء رحلاته تعرف على البحارة اليمنيين والهنود، فانبهر بتواضعهم وطهارة قلوبهم. لم يطلبوا منه شيئا، لكن صفاءهم دعا قلبه إلى الإسلام. صار من أوائل البحارة البريطانيين المسلمين، يساعد الغرباء الوافدين، ويؤسس معهم نواة الجالية الإسلامية في كارديف وليفربول.

 

7. جون نيلسون

ولد جون نيلسون سنة 1930م، وفي رحلاته التجارية الطويلة بين الهند وبريطانيا، اكتشف جون نيلسون جانبا جديدا من العالم، معاملات نظيفة، وأيمان صادقة، وتجارا لا يعرفون الغش. جذبته روح الإسلام من خلال الأسواق قبل المساجد. اعتنق الإسلام، وصار داعما هادئا لمسلمي الموانئ. كان يؤمن أن الخير لا يحتاج ضجيجا، وأن العمل الصامت أبلغ من الخطب.

 

8. توماس براون

ولد توماس براون سنة 1825م، وذهب توماس براون إلى الهند جنديا، فعاد منها مسلما. تعلم هناك أن الإيمان ليس صراخا في المعابد، بل سكون قلب واتصال بخالقه. وحين عاد إلى بريطانيا، وجد أمامه مجتمعا يجهل الإسلام، فقرر أن يقاتل بقلم لا بسلاح. كتب في الصحف، ودافع عن الإسلام ضد الجهل والتشويه، وكان واحدا من أوائل الأقلام البريطانية التي كسرت الحاجز الثقافي بين الشرق والغرب.

 

9. ريتشارد برتون

ولد ريتشارد برتون سنة 1821م، وكان ريتشارد برتون عبقريا لا يشبه عصره. يتقن لغات كثيرة، ويتنقل بين الثقافات كما لو أنه واحد من أبنائها. تقمص شخصية مسلم فارسي ودخل مكة سرا سنة 1853م، فأبهر العالم بقدرته على الاندماج. ولم يعلن إسلامه، لكن من يقرأ كتبه يدرك أن قلبه كان أقرب إلى الإسلام من أي دين آخر. دافع عن النبي ﷺ، وانتقد تشويه المستشرقين، وترك تراثا ضخما غير نظرة الغرب للشرق.

وتوفي سنة 1890م.

 

إن الوقوف عند سير هؤلاء الذين اعتنقوا الإسلام في القرن التاسع عشر هو وقوف عند لحظة صدق نادرة في تاريخ الفكر الإنساني، حين انتصرت الفطرة على الموروث، وغلب نور اليقين سطوة البيئة والطبقة والسلطة. فقد جاء إسلامهم ثمرة تأمل عميق وتجربة حية، لا انبهارا عابرا ولا خروجا على المجتمع بدافع التمرد، بل اختيارا واعيا للحقيقة حين تبينت لهم في صفائها الأول.

لقد سار هؤلاء في دروب موحشة، في زمن كان الإسلام فيه غريب الاسم والمعنى، تحاصره الشبهات وتثقله الأحكام الجاهزة. ومع ذلك، حملوه في قلوبهم حملا نبيلا، ودافعوا عنه بالخلق حينا، وبالقلم حينا آخر، وبالإنصاف الصامت حين ضاق مجال الكلام. فكانوا جسورا إنسانية سبقت المؤسسات، ومشاعل هداية سبقت الاعتراف الرسمي، وأسهمت في تهيئة الأرضية لحضور إسلامي راسخ في بريطانيا لاحقا.

وإن استدعاء هذه السير اليوم ليس ترفا تاريخيا، بل هو استحضار لمعنى خالد، أن الإسلام دين يخاطب الإنسان حيثما كان، وأن نوره إذا لامس قلبا صادقا تجاوز حدود الجغرافيا واختلاف الحضارات. لقد غاب أولئك الرواد عن مسرح الحياة، لكن آثارهم بقيت نابضة في الوعي، شاهدة على أن الإيمان الحق لا يقاس بعدد معتنقيه، بل بعمق أثره، وأن من اختار الحق في زمن الغربة، يظل اسمه مكتوبا في سجل الخلود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *