سالم هاشم يكتب
رسالة مفتوحة إلى قيادات العمل الحزبي والنيابي في مصر علي رأسها النائب احمد عبد الجواد
تفرض المرحلة التاريخية والدقيقة التي يمر بها وطننا مسؤولية استثنائية على كاهل المؤسسات التشريعية والأحزاب السياسية؛ مسؤولية تتجاوز نطاق الأداء الروتيني والشكلاني إلى آفاق المكاشفة، والرؤى الفكرية الشاملة، والعمل السياسي المؤسسي الحقيقي.
إننا نؤمن إيماناً راسخاً بأن الدولة الوطنية الحديثة لا يمكن أن تستقر وتزدهر بدون حوار سياسي بناء وأحزاب قوية تمثل ظهيراً فكرياً وسياسياً حقيقياً، إذ لا يقتصر دور الأحزاب على المواسم الانتخابية أو التواجد المظهري، بل يمتد ليكون صانعاً للسياسات، وبديلاً للأفكار، ومصنعاً للكوادر القادرة على إدارة ملفات الدولة بكفاءة.
أولاً: من المظاهر الموسمية إلى العمل السياسي الناجز
إن اختزال الأداء الحزبي في تقديم المساعدات العينية من مستلزمات مادية أو تنظيم الفعاليات الاستعراضية و”الشو” الإعلامي غير المنتج، يحول الأحزاب السياسية تدريجياً إلى كيانات تعيش على استغلال الحاجات الاقتصادية للمواطنين بدلاً من معالجة أسبابها.
العمل الحزبي ليس جمعية خيرية ولا مؤسسة إغاثية، بل هو كيان تشريعي وركيزة رقابية تهدف إلى وضع سياسات تضمن للمواطن حياة كريمة عبر تشريعات عادلة واقتصاد قوي، وليس عبر المسكنات الموسمية.
ثانياً: إنهاء شبكات المحسوبية والمجاملات
إن الممارسات القائمة على المجاملة والمحسوبية داخل الأطر الحزبية تفرغ السياسة من مضمونها وتدفع بكوادر تفتقر إلى الكفاءة، مما يفقد الشارع ثقته في التنظيمات الحزبية ويزيد من الفجوة بين المواطن والمؤسسات.
ثالثاً: حاجة الدولة الوطنية إلى أحزاب فاعلة لا شكلية
تثبت التجربة الوطنية أن قوة الدولة من قوة مؤسساتها السياسية، فالأحزاب ليست رفاهية ديمقراطية، بل ضرورة استراتيجية للأمن القومي والاستقرار الاجتماعي، وذلك من خلال:
صناعة السياسات والبدائل: إنشاء مراكز دراسات وأبحاث تطرح رؤى اقتصادية واجتماعية عميقة، وتقدم حزمة من الحلول البديلة لمساندة الدولة في مواجهة الأزمات.
إعداد وتأهيل القيادات: تحويل الأحزاب إلى أكاديميات تخرج قيادات وطنية تتمتع بالكفاءة والنزاهة، وتملك الخبرة التشريعية والتنفيذية للنهوض بمسؤوليات إدارة الدولة، بعيداً عن الشللية والمحسوبيات.
بناء جسور الثقة والوعي: ممارسة دور الوسيط الأمين بين الشارع والسلطة لنقل نبض المواطن بشفافية والعمل على رفع الوعي السياسي والاقتصادي، بدلاً من الاكتفاء بالمظاهر والفاعليات العابرة.
رابعاً: أولويات المرحلة الراهنة
في ضوء هذه المبادئ، يتطلع الشارع إلى رؤية أداء حزبي وبرلماني يقود التحول الحقيقي عبر:
تفعيل الأدوات البرلمانية والرقابية: ممارسة الرقابة الفعالة والتشريع النوعي الذي يعالج جذور المشكلات الهيكلية.
البناء الفكري والثقافي: التركيز على الكيف لا الكم، والاستثمار في بناء كوادر واعية قادرة على التفكير والتحليل والنقاش الموضوعي.
الانفتاح على النخب والعقول الوطنية: فتح أبواب الأحزاب والمجالس النيابية للاستماع إلى النخب الأكاديمية والخبرات الوطنية لترجمة تطلعاتهم إلى مشروعات قوانين وسياسات قابلة للتطبيق.
ختاماً
إن التاريخ السياسي لا يذكر الكيانات باستعراضاتها أو سرادقاتها، بل يذكر من تركوا أثراً ملموساً في بناء المؤسسات، وصيانة كرامة المواطن، وتخفيف أعبائه عبر سياسات حقيقية. واليوم، تقف أحزاب الأغلبية والكيانات السياسية أمام اختبار تاريخي لإثبات قدرتها على قيادة الشارع وتعميق الحياة السياسية بما يليق بمكانة مصر وتطلعات شعبها.

