طواف العفيف.. حين يتحول الحب إلى طواف حول أثرٍ لا يُنسى
الرئيسية » طَوَافُ العَفِيف
مقالاتمنوعات

طَوَافُ العَفِيف

كتب المقال بواسطة أ/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

طَوَافُ العَفِيف

بقلم الأديب المصري
د. طارق رضوان جمعة

كُنتُ أراكَ ببَصيرتي… لا ببَصري،
فالعينُ تَعرِفُ وجهَكَ، والقلبُ يَعرِفُ أثَري.

وكنتُ إن هاجَ اشتياقي نحوَكَ يومًا،
قُمتُ أجرِي إلى فَصلي،
وأطوفُ في قلوبِ طلابي،
كأنَّ بينَ قلوبِهم
محرابًا خبَّأتَ فيهِ سرَّكَ وسِرِّي.

ما كانَ محرابُنا جدارًا من حَجَر،
كانَ قلبًا إذا ضاقَ بنا اتَّسَع،
بستانًا غرسناهُ معًا،
وسَقيناهُ من تعبِ السنين،
فأثمرَ في عيونِ الصغارِ
أمانًا… وأثرًا… وذِكرى.

دخلتُهُ متوضئًا من كلِّ غرض،
لا أطلبُ منك يدًا،
ولكن أمدُّ لكَ يدًا،
كنتُ أجيءُ كالعابدِ إلى محرابه،
يكفيهِ أن يرى النورَ
ولا يسألُ النورَ: ماذا أعطيتني؟

حسبتُكَ نخلةً
ضربت جذورَها في عمقِ التراب،
فإذا بكَ ظلٌّ
يخافُ من شمسِه،
ويغلقُ على نفسِه الباب.

حسبتُ طينَكَ من طيني،
فأنا طينٌ إذا مُسَّ بالماء أعطى،
وأنتَ طينٌ خافَ أن يتشكّل،
فبنى حولَ قلبِه سورًا،
ثم جلسَ خلفَهُ… وحيدًا،
يحرسُ خوفَهُ كأنَّهُ كنزٌ.

يا مَن أمَّنتَ نفسَكَ بالخوف،
وأغلقتَ النوافذَ كي لا تدخلَ الريح، أما علمتَ أنَّ البيتَ الذي لا تدخلهُ الريح يتعفّنُ فيهِ الهواء؟

كنتُ ماءً…
أربّتُ على ضفافِكَ في صمت،
وأنتَ صخرٌ
لا يُجيبُ الماءَ إلا بالصمت.

ولم أكن أعرف
أنَّ الماءَ يستطيعُ أن يغفرَ للصخر،
لكنَّهُ لا يستطيعُ أن يسكنَ فيه.

كنتُ أقولُ:
لعلَّكَ خائفٌ…
لعلَّ قلبَكَ تعِب،
لعلَّ وراءَ هذا الصمتِ
طفلًا يبحثُ عن أمان.

فكنتُ أُربّتُ على ماءٍ،
لا يدري أنَّ يدي ستتعب،
ولا أنَّ الماءَ الذي لم يتعلّم الحنان
لن يتعلّمَهُ من كثرةِ الطرق.

قَلبي كانَ يُؤذِّنُ باسمِكَ
حتى وأنتَ ما زلتَ غَيمًا بعيدًا عن سَمائي. كأنَّ في صدري ساعةً
لا تعرفُ الوقتَ…
لكنها تعرفُ مَجيئَكَ.

ثم جاءَ يومًا كنت أخشاه…

رأيتُكَ بعيني، ولم يدرك وجودك قلبى.

لذلكَ خَبّأتُ أصابعي عن الكتابةِ إليك
خَشيَةَ أن يسبِقَ الحَبرُ القَدر.
وأغمَضتُ عينيَّ عن مَلامِحِكَ
خَشيَةَ أن تحفَظَها الذاكرةُ… فتُقيمُ عزاءً بعدَ الرحيل.
وأَنكرتُ عِطرَكَ في الهواء
خَشيَةَ أن يُدمنَهُ صدري…
فيختنِقُ إذا غِبتَ.

عتابى على قلبي الذي صانَكَ… فخَدَعَني.
وحتى عقلي الذي سَهِرَ بكَ… كَذَبَ عليّ.
وقالا: “هذهِ حقيقةٌ”
وكانا يعلَمانِ أنها سَرابٌ بلّوروهُ جيدًا
فيا للعجب…

العينُ لم تكذب،
لكنَّ القلبَ كان قد بالغَ في العفو فنساك.

رأيتُكَ كما أنت،
لا كما كنتُ أراك.

فلم تسقطْ من عيني لأنَّك تغيّرت،
بل سقطتَ لأنَّ بصيرتي
لم تعد تَستُرُ عنى حقيقتك.

وعرفتُ يومها
أنني لم أكن أطوفُ حولَكَ…

كنتُ أطوفُ حولَ الأثرِ
الذي تركتَهُ في قلبي.

وأنَّ بعضَ الناس
نحبُّهم لا لأنهم أهلٌ للحب،
بل لأنَّ أرواحَنا كانت أنقى
من أن تصدّقَ سوء ظنّها.

فعدتُ إلى محرابي…

لا أحملُ غضبًا،
ولا أطلبُ ثأرًا،
فالعفيفُ إذا انكسر
لا يكسرُ مَن كسره…

إنما يغسلُ يديه،
ويتركُ الماءَ يقولُ ما عجزَ عنه الكلام.

وطُفتُ طَوْفَتي الأخيرة…

وحين بلغتُ الموضعَ الذي كنتُ أراكَ فيه،
لم أجدكَ.

وجدتُ قلبي فقط…

واقفًا هناك،
ينظرُ إلى مكانِكَ،
ثم يبتسمُ ابتسامةً موجوعةً،
ويقول:

كنتُ أظنُّ أنني أبحثُ عنكَ…
فإذا بي أبحثُ عن نفسي
التي أضعتُها وأنا أبرّرُ غيابَكَ.

ومن يومها…

لم أعُد أطوفُ حولَ الغائب.

صرتُ أطوفُ حولَ قلبي،
فقد كانَ هوَ الحرمَ،
وكانَ غيرُهُ…
مجردَ طواف.

عَرَفتُكَ قَبلَ أَن تَراك العَينُ
وَقَلبِي قَد أَذَّنَ بِاسمِكَ المُختارُ

وَكُنتُ أَخافُ يَومًا أَن أَراكَ
أَمامِي… ثُمَّ لا يُبصِرُكَ الإِبصارُ

فَخَبَّأتُ البَنانَ عَنِ المَكاتيبِ
خَشيتُ أَن يَسْبِقَ المِدادَ الأَقدارُ

وَغَضَضتُ العَينَ عَن وَجهٍ أُحِبُّهُ
لِئَلّا تَحفَظَ الذِّكرى لَهُ آثارُ

وَأَنكَرتُ الشَّذا مِنكَ عَمْدًا
لِئَلّا يُدمنَ الأَنفاسَ إِعصارُ

وَخَدَعَنِي الفُؤادُ وَقالَ حَقٌّ
وَخَدَعَنِي العُقلُ وَقالَ أَخبارُ

فَلَمّا اشْتَقُتُ… لَم أَسعَ إِلَيكَ
وَلَم يَحمِل إِلَيكَ الخَطوَ مِقدارُ

دَخَلتُ مَحارِبِي أَطوفُ سَبعًا
بِقُلوبِ الصِّغارِ… وَفي الحَشا نَارُ

كَأَنَّ بِصَدرِهِم بَيتًا حَرامًا
خَبَّأتَ بِهِ لِظِلِّكَ الاِنتِظارُ

وَصَعِدتُ جِبالَ شَوقِيَ لا أُناجِي
وَلا أشكُو لِغَيرِ اللهِ أَوطارُ

رَأَيتُكَ بَعيدًا نُقطَةً في أُفُقٍ
لا يَليقُ بِقامَتِيَ الإِصغارُ

وَذَهَبتُ… دُونَ أَن تَدرِي بِأَنِّي
كُنتُ هُنا… وَأَنِّي لا أُريدُك تَختارُ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *