الرئيسيةمقالاتالقيم الإسلامية في بنغلاديش: أثرها في بنية الأسرة وتشكيل الوعي المجتمعي
مقالات

القيم الإسلامية في بنغلاديش: أثرها في بنية الأسرة وتشكيل الوعي المجتمعي

القيم الإسلامية في بنغلاديش: أثرها في بنية الأسرة وتشكيل الوعي المجتمعي

 

بقلم: أحمد شوقي عفيفي

داعية إسلامي وكاتب بنغلاديشي

 

في أقصى دلتا الجنوب الآسيوي، حيث تتعانق المياه مع الذاكرة، وتتخلق الهوية على مهل من تراكمات التاريخ والثقافة، تنتصب بنغلاديش بوصفها مشهدا إنسانيا تتخلله الروح الإسلامية في أدق تفاصيله. وليس الإسلام هنا مجرد انتماء يعلن، بل هو نسق قيمي حي يتغلغل في الوجدان، ويستحيل سلوكا يوميا، ويصوغ العلاقة بين الإنسان ونفسه، وبين الفرد ومحيطه في تناغم دقيق بين الإيمان والعمل، وبين المثال والواقع.

 

وقد تآزرت عوامل متعددة في تثبيت هذا الحضور، من ميراث صوفي أضفى على التدين بعده الوجداني الرقيق إلى أدوار العلماء ومؤسسات التعليم التي حفظت للمعرفة الدينية استمراريتها، مرورا ببنية اجتماعية ما تزال تحتفظ بقدر من البساطة والتماسك، تجعل من القيم جزءا من الممارسة لا مجرد خطاب. وعلى هذا الأساس غدت القيم الإسلامية مرجعية ضابطة للعلاقات، ومصدرا لإضفاء المعنى على الحياة اليومية، بحيث لا تنفصل الأخلاق عن الواقع، ولا تنعزل العقيدة عن السلوك.

 

وهذه القيم في امتدادها البنغلاديشي، لا تنحصر في الشعائر، بل تتجلى في تفاصيل المعاش، حيث يتخذ الصدق هيئة التزام في المعاملات، ويغدو العدل معيارا للاحتكام، وتتحول الرحمة إلى لغة مشتركة بين الناس، ويصبح التكافل ضرورة أخلاقية قبل أن يكون خيارا اجتماعيا. وهي في جوهرها تستند إلى مقاصد الشريعة التي تتوخى صيانة الإنسان في دينه ونفسه وعقله وماله ونسله، مما يمنحها طابعا إنسانيا رحبا، يجعلها قادرة على التفاعل مع تحولات العصر دون أن تفقد أصولها.

 

وتنهض الأسرة في هذا السياق بوظيفتها التأسيسية، فهي المهد الذي تتشكل فيه ملامح الشخصية، وتترسخ فيه معاني الانتماء والمسؤولية. وفيها يتعلم الفرد، منذ نعومة أظفاره، أن بر الوالدين ليس مجرد سلوك اجتماعي، بل هو تعبير عن عمق الصلة بالله، وأن الاحترام ليس مجاملة عابرة، بل قيمة راسخة تترجم في الرعاية والعناية خاصة في مراحل الكبر، حيث تتجلى إنسانية العلاقة في أبهى صورها. ومن هنا تظل الأسرة البنغلاديشية في كثير من صورها، فضاء للتراحم والتواصل بين الأجيال، يخفف من وطأة التفكك الذي تعانيه مجتمعات أخرى.

وفي داخل هذا النسق، تتبدى العلاقة الزوجية في صورتها التكاملية، حيث تقوم على ميثاق المودة التي تلين قسوة الحياة، والرحمة التي تحفظ التوازن، والتعاون الذي يصون الاستمرار. ورغم ما طرأ من تحولات بفعل التعليم وتغير الأدوار الاجتماعية، فإن جوهر هذه العلاقة لا يزال مشدودا إلى ميزان دقيق من الحقوق والواجبات، يحقق الاستقرار دون أن يلغي قابلية التطور.

أما تربية الأبناء فهي المشروع الأعمق الذي تعكف عليه الأسرة، إذ لا يقتصر الأمر على تلقين المعرفة، بل يتجاوز ذلك إلى صناعة الإنسان. فينشأ الطفل وهو يتشرب معاني الصدق والانضباط، ويتعلم كيف يوازن بين حاجاته الفردية ومسؤوليته تجاه الجماعة. ومع انفتاح العالم وتعدد مصادر التأثير، باتت هذه التربية أكثر تعقيدا، تستدعي وعيا يجمع بين حفظ الهوية واستيعاب معطيات العصر، بحيث لا يتحول الانفتاح إلى ذوبان، ولا يصبح الانغلاق عائقا أمام التطور.

 

وحين تمتد هذه القيم إلى الفضاء المجتمعي، فإنها لا تفقد روحها، بل تكتسب أبعادا أوسع، فتتجلى في أنماط من التضامن تعكس حيوية المجتمع. ففي الأزمات تتجسد الأخوة في صور الدعم والمساندة، وتتحول العلاقات إلى شبكات حماية غير مرئية، تعوض في كثير من الأحيان غياب الأطر الرسمية. وتغدو المساجد إلى جانب كونها بيوت عبادة، مراكز إشعاع اجتماعي، تلتقي فيها الأرواح، وتتقاطع فيها هموم الناس وآمالهم.

 

وفي هذا السياق تبرز الزكاة والصدقات بوصفهما آليتين فاعلتين لتحقيق قدر من العدالة، حيث لا تبقى الثروة حبيسة أيدي فئة محدودة، بل تجد طريقها إلى الفئات الأضعف، فيتحقق بذلك نوع من التوازن الاجتماعي. وقد أخذت هذه الممارسات في السنوات الأخيرة، بعدا أكثر تنظيما، مما يعكس انتقال القيم من نطاق الفرد إلى أفق المؤسسة دون أن تفقد بعدها الإنساني.

 

غير أن هذا المشهد على ما فيه من تماسك، ليس بمعزل عن التحديات. فالعولمة بما تحمله من أنماط ثقافية مختلفة، تسهم في إعادة تشكيل الذائقة والسلوك، أحيانا على نحو يباعد بين الأجيال وقيمها الموروثة. كما أن التحضر أفضى إلى تغيرات في بنية الأسرة، أضعفت في بعض الحالات روابطها التقليدية، وقلصت من مساحات التفاعل المباشر التي كانت تشكل قناة أساسية لنقل القيم.

 

وتضاف إلى ذلك تحديات الفضاء الرقمي، الذي فتح آفاقا واسعة للمعرفة، لكنه في الوقت نفسه أتاح تدفقا غير منضبط لأنماط سلوكية قد لا تنسجم مع الخصوصية القيمية. وهنا تبرز الحاجة إلى وعي نقدي قادر على التمييز، وإلى خطاب تربوي متوازن لا يكتفي بالتحذير، بل يقدم بدائل عملية تستوعب الواقع دون أن تستسلم له.

 

ومع ذلك، فإن القيم الإسلامية في بنغلاديش تملك من المرونة ما يؤهلها للاستمرار والتجدد. فهي ليست قالبا جامدا، بل منظومة قادرة على إعادة تشكيل ذاتها في ضوء المتغيرات، مستندة إلى رصيد تاريخي وثقافي عميق. وإذا ما أحسن استثمار التعليم، وفعلت طاقات الشباب، ووظفت وسائل الإعلام توظيفا رشيدا، فإن هذه القيم قادرة على أن تتحول إلى قوة ناعمة تسهم في بناء مجتمع أكثر توازنا.

 

وهكذا، تبدو التجربة البنغلاديشية في تجلياتها القيمية تجربة غنية بالدلالات، إذ تكشف عن قدرة الإسلام على أن يكون حاضرا في الحياة لا بوصفه عبئا على الحداثة، بل إطارا يمنحها معنى. وبين الأسرة التي تغرس البذور الأولى، والمجتمع الذي يوسع دوائر الامتداد، تتشكل ملامح رؤية إنسانية متكاملة، قوامها التوازن بين الروح والمادة، وبين الأصالة والانفتاح في عالم أحوج ما يكون إلى مرجعية أخلاقية تعيد إليه اتزانه المفقود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *