مسيرة الحياة للشيخ محمد عميم الإحسان
بقلم: أحمد شوقي عفيفي
داعية إسلامي وكاتب بنغالي
في المسيرة المعرفية للإسلام برزت شخصيات سامقة لم تحبسها حدود الأوطان، ولم تقيدها خرائط الجغرافيا، بل تجاوزت أفكارها ومؤلفاتها ورسالتها الدعوية قيود الزمان والمكان، فامتد أثرها في آفاق العالم الإسلامي رحبا واسعا. وفي سجل الفكر الإسلامي في شبه القارة الهندية، يتصدر الشيخ محمد عميم الإحسان البركتي رحمه الله مكانة فريدة، بوصفه علما راسخا وقامة علمية ذات حضور دولي وهيبة معرفية مرموقة. لقد كان هذا العملاق العلمي في شبه القارة الهندية شخصية إسلامية عالمية، نالت تقديرا بالغا وإجلالا خاصا في العالم العربي.
جمع رحمه الله بين علوم شتى ومقامات سامية، فكان محدثا متقنا، ومفتيا بصيرا، وفقيها راسخا، ومفسرا دقيق النظر، ومؤرخا واعيا، وعارفا بأسرار التصوف، ولغويا متمكنا، وخطيبا عربيا بليغا. وبفضل هذا التفرد العلمي والتكامل المعرفي، ظل فكره وإسهامه حاضرين في وجدان العلماء ودوائر البحث، لا في شبه القارة وحدها، بل في العالم العربي وسائر أرجاء الأمة الإسلامية، حيين متجددين إلى يومنا هذا.
الميلاد والنسب والإرث الروحي:
ولد الشيخ عميم الإحسان البركتي رحمه الله في الرابع والعشرين من يناير سنة 1911م، الموافق الثاني والعشرين من شهر محرم سنة 1329هـ، يوم الاثنين، في قرية باشنا التابعة لمديرية مونغير العريقة بولاية بيهار، إبان الحقبة البريطانية في شبه القارة الهندية. نشأ في بيت عرف بالتقوى والوجاهة، فكان والده السيد محمد حكيم عبد المنان رحمه الله من أهل الصلاح والاستقامة، وكانت والدته السيدة ساجدة مثالا للورع ومحبة العلم. وقد حل رحمه الله ثانيا بين أربعة إخوة وثلاث أخوات.
ينحدر الشيخ عميم الإحسان البركتي رحمه الله من بيت النبوة، فهو من السادة الذين يتصل نسبهم الشريف بسيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء رضي الله عنها بنت رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم. وقد أضفى هذا الانتماء النبوي على شخصيته مهابة خاصة، ورسخ في سلوكه شعورا عميقا بالمسؤولية، والتزاما رفيعا بالأخلاق، وانضباطا صارما للنفس.
وكان جده السيد نور الحافظ القادري رحمه الله من كبار العارفين، وعالما متبحرا في علوم القرآن الكريم، وأحد خلفاء الشيخ الجليل مولانا محمد علي القادري المجددي المنغيري رحمه الله. وفي كنف هذا الإرث العلمي والروحي الزاخر، ترعرع الشيخ عميم الإحسان رحمه الله في بيئة امتزج فيها العلم بالعمل، والفقه بالتصوف، والمعرفة بالسلوك، فشكلت هذه الأجواء المشرقة الأساس المتين لبناء شخصيته العلمية والروحية الفريدة.
الطفولة، قوة الذاكرة، وبواكير التعليم المدهشة:
ما إن أبصر النور حتى سمي محمدا، وأسند إليه لقب أمين الإحسان، أي موضع الإحسان ومستودعه، وكأن الاسم كان بشارة مبكرة بسيرة ستجسد معناه أصدق تجسيد.
ومنذ مطالع الطفولة، تجلت فرادة حفظه وحدة ذكائه على نحو يثير الدهشة. ففي الخامسة من عمره، أتم حفظ القرآن الكريم كاملا، ثلاثين جزءا، في مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر، على يد عمه السيد عبد الديان رحمه الله. وكان بلوغ هذا المقام في مثل هذا السن الغض نادرا في ربوع شبه القارة آنذاك، يعد من النوادر التي تروى ولا تتكرر.
وفي الحقبة نفسها، رسخت قدمه في اللغة الفارسية وآدابها رسوخا لافتا. ثم انتقل إلى مرحلة أرقى من التكوين العلمي، فتلقى على يد حضرة بركات علي شاه رحمه الله علوم النحو العربي، والتجويد، والصرف والنحو، فضلا عن التعمق في الفارسية الرفيعة وآدابها، لتتشكل ملامح نبوغه المبكر على أساس راسخ من العلم واللغة.
في العاشرة من عمره، كان قد فرغ من تحصيل طائفة جليلة من العلوم، شملت ترجمة القرآن الكريم، وعلمي الصرف والنحو، والتفسير، والحديث، فضلا عن أمهات الكتب في الأدب الفارسي الرفيع. وكان بلوغ هذه المرتبة العلمية الرفيعة في سن غض باعثا على الإعجاب حتى غدا في أوساط علماء شبه القارة نموذجا للموهبة الخارقة والنبوغ المبكر.
ثم ما لبث في عام 1926م، ولم يكن قد تجاوز الخامسة عشرة أن التحق بالمدرسة العلية في كلكتا، وهي يومئذ من أعرق الصروح العلمية الإسلامية في شبه القارة، بل كانت تعد آنذاك إحدى أرفع المؤسسات التعليمية في العالم الإسلامي، حيث تفتحت أمامه آفاق أوسع من التحصيل والتكوين العلمي الراسخ.
ففي عام 1929م أحرز أعلى الدرجات في امتحان العالم، متوجا تفوقه بالميدالية الذهبية. ثم أتبع ذلك، في عام 1931م، بتفوق مشرف في امتحان الفاضل. ولم تمض سوى سنتين حتى بلغ ذروة هذا المسار، إذ نال في عام 1933م المركز الأول من الدرجة الأولى في امتحان الكامل، محققا الميدالية الذهبية عن جدارة واستحقاق. وتقديرا لهذه السلسلة من الإنجازات العلمية الرفيعة، أسبغ عليه لقب ممتاز المحدثين، وهو لقب سام لم ينله إلا القليل من أعلام العلماء في شبه القارة الهندية.
وفي عام 1934م، تشرف بنيل الإجازة الرسمية في الإفتاء من شيخه الجليل الشيخ مشتاق أحمد الكانبوري رحمه الله، ومنذ ذلك الحين استقرت منزلته العلمية، وتكرست مكانته بوصفه مفتيا متكامل الأدوات وفقيها راسخ القدم في ميادين العلم والفقه.
مسجد ناخودا والفتوى والاعتراف في أرجاء شبه القارة:
اتسم منهجه العلمي بتوازن محكم بين النص الشرعي ومقاصده الكلية، وبين الفقه والتزكية، في التزام راسخ بروح الوسطية والاعتدال، مع تقدير عميق للخلاف الفقهي واحترام تنوع مدارسه، وهو ما أضفى على خطابه سعة في الأفق وقبولا واسعا لدى مختلف التيارات والمدارس العلمية.
في عام 1934م، أسندت إليه مهام علمية ودعوية رفيعة في مسجد ناخودا الجامع التاريخي بمدينة كلكتا، فعين إماما مساعدا، وتولى في الوقت نفسه رئاسة التدريس بالمدرسة التابعة له. ولم تمض سوى سنة حتى تقلد مسؤولية رئاسة دار الإفتاء، فغدا المفتي العام الذي ترفع إليه النوازل وتعرض عليه القضايا.
وفي تلك المرحلة، انصرف إلى الإفتاء انصراف العالم المتمكن، فأصدر ما يناهز مائة ألف فتوى في ميادين شتى، شملت الشؤون الدينية، والقضايا الاجتماعية، والأحوال الأسرية، والمسائل ذات الصلة بالشأن العام والدولة، فشكلت هذه الفتاوى مع مر الأيام رصيدا علميا فريدا لا يزال موضع عناية الباحثين ومرجعا للدارسين.
وإقرارا بمكانته العلمية وكفاءته الفقهية، منحته الحكومة البريطانية خاتما رسميا خاصا نقش عليه لقب المفتي العام بكلكتا، فذاع صيته بلقب المفتي الأعظم، وأضحى اسما معترفا به في أوساط العلم والفتوى في شبه القارة بأسرها.
القدوم إلى بنغلاديش والقيادة على المستوى الوطني:
لم يقتصر إشعاعه العلمي على حدود شبه القارة الهندية، بل تجاوزه إلى آفاق العالم العربي، حيث وجدت خطبه العربية صدى واسعا في نفوس العلماء والدبلوماسيين الوافدين، وتناقلت مؤلفاته الأوساط العلمية والمكتبات المتخصصة، فترسخت صورته علما واصلا، وجسرا معرفيا راسخا يربط بين المشرق العربي والعالم الإسلامي في جنوب آسيا.
وعقب تقسيم شبه القارة الهندية، قصد دكا، فتولى مهام الشيخ الرئيسي في مدرسة دكا العالية خلال الفترة من 1956 إلى 1969. وفي تلك المرحلة، نهض بتدريس صحيح البخاري مقرونا بالشرح والتحقيق، فكان لجهده أثر بالغ في تخريج أجيال من الطلبة الذين بلغ كثير منهم لاحقا مراتب علمية مرموقة على المستوى الدولي.
وفي عام 1964، ومع قيام المسجد الوطني بيت المكرم، انعقد الإجماع على اختياره أول خطيب لهذا الصرح الإسلامي الكبير. وكان يلقي خطبه من إنشائه الخاص، بلغة عربية فصيحة نقية، تنم عن رسوخ علمي وذائقة بيانية رفيعة، حيث كان يتلى على المصلين قبل الخطبة نصها مترجما إلى اللغة البنغالية، فغدت خطبه موضع إعجاب وتأثر عميقين لدى العلماء والدبلوماسيين ورجال الدولة الوافدين من الأقطار العربية.
لقد خلف وراءه تراثا علميا غزيرا تجاوز أكثر من مئتي مؤلف، شكلت بمضامينها وعمقها رافدا أساسيا في ميادين العلم الشرعي. وقد حظيت طائفة واسعة من كتبه بمكانة راسخة في المؤسسات العلمية الكبرى، فأدرجت منذ عقود ضمن المناهج الدراسية، واعتمدت مراجع علمية في دار العلوم ديوبند في الهند، وفي مصر وسوريا، فضلا عن المدارس الدينية القومية والعالية في مختلف أرجاء شبه القارة الهندية.
ومن أبرز معالم عطائه العلمي أن دراسته الرائدة في علم المواقيت، ولا سيما ما يتعلق بتحديد أوقات الصلاة، لا تزال حتى اليوم الأساس المعتمد لدى المؤسسة الإسلامية في بنغلاديش في ضبط مواقيت الصلاة في عموم البلاد، وهو ما يعكس دقة منهجه ورسوخ أثره العملي في حياة الناس وعبادتهم.
ولا يزال حضوره العلمي نابضا في المشهد المعرفي المعاصر، إذ تتداول مؤلفاته في حلقات الدرس، ويرجع إلى فتاواه في ميادين البحث والإفتاء، ويستشهد بأبحاثه في الدراسات الأكاديمية، بما يبرهن أن أثره لم ينحصر في زمانه، بل امتد حيا متجددا إلى أجيال متعاقبة.
الوفاة والقبر والإرث الباقي:
انتقل إلى رحمة الله الشيخ محمد عميم الإحسان البركتي رحمه الله في السابع والعشرين من أكتوبر سنة 1974م، الموافق للعاشر من شوال سنة 1395هـ، بعد مسيرة حافلة بالعطاء العلمي والدعوي. وقد ووري الثرى إلى جوار مسجد كولوتولا في دكا.
وتكريما لإسهاماته الاستثنائية في خدمة الإسلام وعلومه، منحت المؤسسة الإسلامية في بنغلاديش سنة 1984م وساما ذهبيا وشهادة تقدير بعد وفاته، ليظل اسمه خالدا في سجل العلماء الذين تركوا بصماتهم العميقة في العلم والأمة.
وهكذا، لا تختتم سيرة الشيخ محمد عميم الإحسان البركتي رحمه الله بنقطة نهاية، بل تفتح بها أبواب الامتداد والخلود، إذ يبقى الأثر حيث يفنى الجسد، ويظل العلم ناطقا حيث يسكن الصوت. لقد كان من أولئك القلة الذين لا يقاس حضورهم بعدد السنين، بل بعمق البصمة، ولا توزن مكانتهم باتساع الرقعة، بل بما بثوه من نور في العقول والقلوب.
جسد رحمه الله صورة العالم الرباني الذي تصالح فيه النص مع روحه، والتشريع مع مقاصده، والعقل مع الإيمان، فكان علمه هاديا، وفتواه بصيرة، وخطابه ميزانا دقيقا بين الثبات والتجديد. ولم تكن مؤلفاته مجرد مدونات علمية، بل كانت شواهد حية على عقل موسوعي وروح متعبدة، حملت هم الأمة، وخاطبت واقعها بلغة العلم والحكمة معا.
وإذا كانت الأوطان تنسب إلى رجالها، فإن الشيخ عميم الإحسان البركتي رحمه الله كان وطنا علميا قائما بذاته، تنقل فكره بين شبه القارة والعالم العربي، وبقي اسمه جسرا معرفيا متينا يصل بين المدارس، ويؤلف بين المشارب، ويشهد على وحدة الأمة في تنوعها. فحيثما ذكر العلم الرصين، وحيثما استحضرت الوسطية الراسخة، كان له حضور يستأنس به ويهتدى إليه.
رحل الجسد، وبقي الأثر، وسكن القبر، وظل الفكر حيا نابضا، وانقضى العمر، وامتدت الرسالة. تلك هي سنة الله في عباده العلماء: إذا صدقوا، خلد ذكرهم، وإذا أخلصوا، بقي علمهم صدقة جارية ما تعاقبت الأجيال. رحم الله الشيخ الجليل، وجعل ما خلفه نورا لا ينطفئ، وألحقه بركب العلماء العاملين، وجزاه عن الإسلام والأمة خير الجزاء.
المراجع:
1. ويكيبيديا الشيخ محمد عميم الإحسان البركتي.
2. سجلات المؤسسة الإسلامية في بنغلاديش.
3. أرشيف المسجد الوطني بيت المكرم، دكا.
4. أرشيف مسجد ناخودا الجامع، كلكتا.
5. سجلات مدرسة دكا العالية.

