ليس أسوأ في حياة الإنسان من أن يُمحى حضوره وهو حاضر وأن يُختصر صوته في صمتٍ مفروض وأن يُعامل كأنه ظلّ لا جسد له أو رقم بلا إسم أو ماضٍ منسي لم يكن يومًا.
فالوجود الحقيقي لا يُقاس بعدد الأنفاس، بل بمدى اعتراف الآخرين بك… وبمدى اعترافك أنت بنفسك.
إيّاك أن تسمح لأحدٍ أن يجعلك مجهولًا في وطنك أو غريبًا في دائرتك أو زائدًا عن الحاجة في حياةٍ كنت فيها أصلًا.
فالإنسان حين يُقبل على تهميش ذاته لا يخسر مكانته فحسب بل يخسر معناه.
ومن رضي أن يكون هامشًا… فلن يُقرأ يومًا ولن يُسأل عنه إن غاب.
كن حاضرًا لا بالضجيج بل بالثقل وكن معروفًا لا بالشهرة بل بالأثر.
فالذين يتركون بصمة في الأرواح لا يحتاجون لافتات، يكفي أن تمرّ ذكراهم فتشعر بأن شيئًا في داخلك قد استيقظ.
إيّاك أن تفرّط في حقك في الاعتراف، فالتجاهل ليس قدرًا بل موقف… وغالبًا ما يكون موقف ضعف من الطرف الآخر، لا دليل قيمة منك.
ولا تصدّق أن الصمت دائمًا حكمة فبعض الصمت هروب وبعضه خيانة للنفس وبعضه إعلان غير مباشر بأنك تقبل أن تُمحى.
لا تكن ضميرًا غائبًا في قضاياك ولا شاهدًا صامتًا على انكسارك ولا متفرجًا على اقتلاع اسمك من ذاكرة الآخرين.
قل “لا” حين يجب أن تُقال وتكلم حين يكون السكوت انتحارًا معنويًا ودافع عن حضورك كما تدافع عن كرامتك فالحضور أحد وجوه الكرامة.
تذكّر…أن أخطر أشكال الموت أن تعيش طويلًا… ولا يعرف أحد أنك كنت هنا.
وتذكّر…
أن الذين يُمحَون بصمت لا يُمحَون لأنهم بلا قيمة، بل لأنهم صدّقوا في لحظة ضعف أن القيمة تُمنَح ولا تُنتزع، وأن الاعتراف هبة لا حق.
وهنا تبدأ الخسارة الكبرى… حين تستعير صورتك من عيون الآخرين، وتنتظر إذنهم لتكون.
إيّاك أن تجعل تقديرك مرهونًا بتصفيق أو وجودك معلقًا برضا عابرين.
فالذي يحتاج شاهدًا ليؤكد أنه حيّ لم يتصالح بعد مع معنى الحياة.
كن مكتفيًا بذاتك لا منغلقًا… واثقًا لا متعاليًا… ثابتًا لا متجمّدًا.
فالثبات في زمن التقلّب شجاعة والحفاظ على الجوهر في زمن الأقنعة بطولة صامتة.
اعلم أن التهميش لا يبدأ من الخارج بل من تلك اللحظة التي تؤجل فيها حقك،
وهكذا… تتدرّب روحك على الغياب حتى إذا جاء الغياب الحقيقي… لم يشعر أحد بفراغك،
لا تكن سهل التجاوز ولا سريع الغفران في مواضع الإهانة ولا واسع الصدر مع من يضيق بك.
فالنفوس لا تحترم من يفرّط في حدوده ولا تصون من لا يصون نفسه.
واجعل لك مقامًا لا يُداس وحدودًا لا تُختَرق وصوتًا لا يُقايَض فليس كل لين فضيلة وليس كل صبر عبادة،
فبعض الصبر قبول بالذل وبعض اللين دعوة مفتوحة للاستخفاف.
وتذكّر… أن الكبار لا يفرضون حضورهم لكنهم حين يغيبون…
يترك الغياب فجوة لا تُملأ فكن من أولئك الذين إذا دخلوا لم يُلحَظوا كثيرًا ، لكن إذا خرجوا اختلّ الميزان واضطرب المعنى وشعر المكان أنه فقد شيئًا لا يُعوَّض.
ولا تطلب أن تكون في صدارة المشهد ، اطلب أن تكون في عمق الذاكرة فالمشاهد تتبدّل أما الذاكرة… فلا تخون إلا من خان نفسه.
وإيّاك… ثم إيّاك…
أن تموت في الآخرين قبل أن تموت في الحياة ،
أو أن تُدفن في النسيان وأنت ما زلت تمشي بين الناس،