هل يحل الجندي الروبوت محل الجندي البشري؟ مستقبل الحروب الحديثة
الرئيسية » هل يحل الجندي الروبوت محل الجندي البشري؟
مقالات

هل يحل الجندي الروبوت محل الجندي البشري؟

كتب المقال بواسطة أ/

هل يحل الجندي الروبوت محل الجندي البشري؟

 

بحث للكاتب والمؤرخ العسكري

د. أحمد علي عطية الله

 

هل يأتي يوم يخوض فيه الروبوت المعركة بدلًا من الجندي البشري؟

 

سؤال لم يعد ينتمي إلى أفلام الخيال العلمي وحدها، فقد بدأت الروبوتات والأنظمة غير المأهولة تفرض وجودها بصورة متزايدة في ساحات القتال الحديثة،

من المركبات البرية غير المأهولة، إلى الطائرات المسيّرة، وصولًا إلى أنظمة قادرة على تنفيذ بعض المهام بدرجات متفاوتة من الاستقلالية.

 

ومع تطور الحروب الحديثة، تبرز أوكرانيا وروسيا والولايات المتحدة والصين وإسرائيل وتركيا وغيرها من الدول التي تطور أو تستخدم منظومات غير مأهولة في أدوار عسكرية مختلفة،

الأمر الذي يطرح سؤالًا أكثر خطورة: هل نحن أمام بداية عصر يصبح فيه الإنسان قائدًا للآلة، أم عصر تتحول فيه الآلة تدريجيًا إلى مقاتل يملك مساحة متزايدة من القرار؟

 

الروبوت يدخل ساحة المعركة

 

رويدا رويدا، تتسلل التكنولوجيا إلى الجيوش الحديثة، ليس باعتبارها مجرد وسيلة مساعدة للجندي،

وإنما باعتبارها عنصرًا يمكنه تنفيذ مهام الاستطلاع والمراقبة والنقل والإمداد وإخلاء المصابين، بل والاشتباك في بعض الحالات.

 

وقد كشفت الحرب الروسية الأوكرانية بصورة خاصة عن الدور المتزايد للأنظمة غير المأهولة،

حيث أصبحت الطائرات المسيّرة والمركبات البرية والبحرية غير المأهولة جزءًا مهمًا من العمليات العسكرية.

 

وهنا يجب التمييز بين «الروبوت العسكري» و«السلاح ذاتي التشغيل».

 

فالروبوت قد يكون مجرد منصة يتحكم فيها الإنسان عن بعد، بينما يشير السلاح الذاتي إلى نظام يستطيع، بدرجات مختلفة،

اكتشاف الأهداف واختيارها وتنفيذ الهجوم وفق قواعد مبرمجة دون تدخل بشري مباشر في كل خطوة.

 

وهذا الفرق هو جوهر الجدل العالمي.

 

من البارود إلى الذكاء الاصطناعي

 

شهد تاريخ الحرب تحولات تكنولوجية غيّرت شكل المعارك بصورة جذرية.

 

فدخول البارود والأسلحة النارية نقل الحروب إلى مرحلة جديدة، ثم جاء السلاح النووي ليغير مفهوم القوة والردع والاستراتيجية العسكرية.

 

أما اليوم، فإن الذكاء الاصطناعي والأنظمة غير المأهولة والروبوتات العسكرية تفتح الباب أمام تحول جديد،

قد يكون من أكثر التحولات تأثيرًا في مستقبل العمليات العسكرية.

 

لكن وصف الروبوتات بأنها «الثورة الثالثة في الحروب» يحتاج إلى قدر من الدقة؛

فالتاريخ العسكري لا يتفق على تقسيم موحد وثابت للثورات التكنولوجية إلى ثلاث مراحل فقط.

 

المؤكد أن الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذاتية وغير المأهولة أصبحت بالفعل من أبرز ملامح التحول الجاري في طبيعة الحرب.

 

لماذا ترغب الجيوش في الروبوتات؟

 

الجندي البشري يمتلك ميزات لا يمكن اختزالها في القوة البدنية وحدها؛

فهو يمتلك القدرة على التقدير وفهم السياق واتخاذ القرار في ظروف غامضة، كما يخضع للقيم والقوانين العسكرية والإنسانية.

 

لكن الإنسان لديه حدود بيولوجية.

 

أما الآلة فيمكنها نظريًا:

 

1. العمل لفترات طويلة دون الشعور بالإرهاق.

 

2. تنفيذ المهام في ظروف خطرة دون تعريض جندي بشري للخطر المباشر.

 

3. العمل في بيئات شديدة الحرارة أو البرودة أو التلوث أو الإشعاع، بحسب تصميمها وتجهيزها.

 

4. تنفيذ عمليات الاستطلاع والمراقبة بصورة مستمرة.

 

5. حمل معدات وذخائر وإمدادات في مناطق يصعب الوصول إليها.

 

6. معالجة كميات ضخمة من البيانات بسرعات تفوق قدرة الإنسان.

 

7. العمل في بيئات قد تكون ملوثة بالمواد الكيميائية أو البيولوجية، إذا صُممت لذلك.

 

8. تنفيذ بعض المهام بدقة وسرعة، خاصة عندما تكون الظروف محددة مسبقًا.

 

لكن هل تستطيع الآلة التمييز بين المدني والمقاتل؟

 

هنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

 

الميزة الأخطر التي ينسبها البعض إلى الأسلحة الذاتية هي قدرتها على معالجة المعلومات واتخاذ قرارات سريعة للغاية.

 

ويرى مؤيدو هذه التكنولوجيا أن الآلة قد تكون في بعض الظروف أكثر دقة من الإنسان، لأنها لا تشعر بالخوف أو الغضب أو التعب،

ويمكن تزويدها بأجهزة استشعار متطورة وخوارزميات قادرة على تحليل البيانات بسرعة كبيرة.

 

أما الباحثين في مجال الروبوتات العسكرية يرون أن الآلات قد تساعد مستقبلًا على تقليل الأخطاء البشرية في بعض البيئات القتالية.

 

لكن هذه الرؤية تواجه اعتراضًا أساسيًا:

 

هل يمكن لخوارزمية أن تفهم دائمًا ما يفهمه الإنسان؟

 

المعركة ليست معادلة رياضية.

 

قد يظهر شخص يحمل شيئًا يشبه السلاح، لكنه مدني.

 

وممكن يتحرك مقاتل بين المدنيين.

 

كما يمكن أن يستسلم جندي في اللحظة نفسها التي تتخذ فيها آلة قرار الاشتباك.

 

وقد تحدث تغيرات مفاجئة في الموقف لا تكون الخوارزمية قد صُممت للتعامل معها.

 

وهنا يصبح السؤال: من يتحمل مسؤولية القرار؟

 

الإنسان أم الشركة التي طورت النظام؟ أم القائد الذي أرسله إلى المعركة؟ أم المبرمج؟ أم الآلة نفسها؟

 

الروبوت لا يعرف معنى الرحمة

 

الإنسان عندما يتخذ قرارًا في الحرب، يفترض أن يخضع لقواعد الاشتباك والقانون الدولي الإنساني،

وأن يضع في اعتباره مبدأ التمييز والتناسب والضرورة العسكرية.

 

أما الآلة فلا تمتلك وعيًا أخلاقيًا بالمعنى الإنساني.

 

هي تنفذ ما صُممت وبرمجت على تنفيذه.

 

ولهذا فإن نقل قرار الحياة والموت بالكامل إلى نظام آلي يثير أسئلة أخلاقية وقانونية وعسكرية بالغة التعقيد.

 

وهنا تظهر حركة «أوقفوا الروبوتات القاتلة» Stop Killer Robots، التي تدعو إلى وضع قيود دولية صارمة على الأسلحة ذاتية التشغيل،

وتطالب بضمان وجود سيطرة بشرية حقيقية على استخدام القوة.

 

هل تختفي الجيوش البشرية؟

 

رغم كل التطور التكنولوجي، يبدو أن استبدال الجندي البشري بالكامل بالروبوت ليس سيناريو قريبًا بالضرورة.

 

فالروبوت قد يكون ممتازًا في مهمة محددة، لكنه يظل مرتبطًا بالطاقة والاتصالات والصيانة والبرمجيات والبيانات.

 

كما أن الخصم يستطيع التشويش على أنظمة الاتصال والملاحة، أو خداع المستشعرات، أو اختراق الأنظمة الرقمية، أو استهداف مصادر الطاقة والدعم اللوجستي.

 

والأهم أن الحرب ليست مجرد إطلاق نار.

 

هناك القيادة، والتفاوض، والتقدير السياسي، وفهم البيئة الاجتماعية، والتعامل مع الأسرى والمدنيين،

واتخاذ قرارات في ظروف لم تكن موجودة في أي قاعدة بيانات مسبقة.

 

ولهذا قد لا يكون المستقبل «جيشًا من الروبوتات» بقدر ما يكون جيشًا هجينًا، يتعاون فيه الإنسان مع الآلة.

 

الجندي والروبوت.. شراكة أم صراع؟

 

ربما يكون السيناريو الأكثر واقعية في السنوات المقبلة هو ظهور جندي بشري تدعمه مجموعة من الأنظمة غير المأهولة.

 

جندي يقود روبوتًا أرضيًا.

 

طائرة مسيّرة تراقب له الطريق.

 

نظام ذكاء اصطناعي يحلل المعلومات.

 

مركبة آلية تنقل الذخيرة.

 

وروبوت آخر ينفذ مهمة شديدة الخطورة بدلًا منه.

 

وفي هذه الحالة لن يختفي الجندي، وإنما ستتغير طبيعته ودوره.

 

فالجندي المستقبلي قد يحتاج إلى أن يكون مقاتلًا ومشغلًا للأنظمة ومحللًا للبيانات في الوقت نفسه.

 

مَن يملك الروبوتات يملك ميزة عسكرية؟

” أوقفوا الروبوتات القاتلة”

Stop Killer Robots.

قائمة الدول المستخدمة للروبوتات العسكرية

1. روسيا

2. الولايات المتحدة

3 . الصين

4.إسرائيل

5 . تركيا

إن سباق تطوير الأنظمة العسكرية غير المأهولة والذكاء الاصطناعي أصبح جزءًا من التنافس العسكري العالمي.

 

وتبرز في هذا المجال دول مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين وإسرائيل وتركيا، إلى جانب دول أخرى تطور قدراتها في الأنظمة غير المأهولة والذكاء الاصطناعي العسكري.

 

لكن الحديث عن «استخدام الروبوتات العسكرية» لا يعني بالضرورة أن هذه الدول تمتلك بالفعل جنودًا آليين مستقلين قادرين على خوض الحرب وحدهم.

 

فمعظم الأنظمة الموجودة حاليًا تقع على درجات مختلفة من التحكم البشري والاستقلالية.

 

وهذا التفريق ضروري حتى لا نخلط بين المستقبل المحتمل والواقع العسكري الحالي.

 

السؤال الأصعب

 

المشكلة ليست في أن الروبوت يستطيع أن يحمل السلاح.

 

المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يستطيع الروبوت أن يقرر وحده متى يستخدم هذا السلاح وضد من.

 

فإذا كان الإنسان هو من يحدد الهدف ويصدر أمر الاشتباك، تظل الآلة أداة متقدمة في يد الإنسان.

 

أما إذا أصبحت الآلة هي التي تحدد الهدف وتقرر أن الوقت قد حان للقتل، فنحن أمام تحول مختلف تمامًا في طبيعة الحرب.

 

وهنا لا يعود السؤال:

 

هل يستطيع الروبوت أن يحل محل الجندي؟

 

بل يصبح:

 

هل نريد أصلًا أن نمنح الآلة حق اتخاذ قرار لا رجعة فيه بشأن حياة الإنسان؟

 

قد يكون الروبوت أسرع من الإنسان، وأقوى منه في بعض المهام، وأكثر قدرة على العمل في ظروف قاسية.

 

لكن السرعة ليست حكمة، والدقة التقنية ليست بالضرورة وعيًا أخلاقيًا.

 

وربما يكون التحدي الأكبر أمام الجيوش في المستقبل ليس صناعة روبوت يستطيع القتال،

وإنما صناعة منظومة تستطيع استخدام هذه القوة دون أن تفقد الإنسان السيطرة على قرار الحرب.

 

ففي النهاية..

 

قد نستطيع أن نصنع آلة تعرف كيف تطلق النار.

 

لكن السؤال الذي لم يُحسم بعد هو:

 

هل يمكن أن نصنع آلة تعرف متى يجب ألا تطلقها؟

 

بقلم

د. أحمد علي عطية الله

الكاتب والمؤرخ العسكري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *