هل حاربنا الكيمياء فأخذها الغرب؟ قصة جابر بن حيان بين الحقيقة والأسطورة
الرئيسية » هل حاربنا الكيمياء فأخذها الغرب؟.. قصة جابر بن حيان بين الحقيقة والأسطورة
مقالات

هل حاربنا الكيمياء فأخذها الغرب؟.. قصة جابر بن حيان بين الحقيقة والأسطورة

كتب المقال بواسطة أ/

هل حاربنا الكيمياء فأخذها الغرب؟.. قصة جابر بن حيان بين الحقيقة والأسطورة

✍️ بقلم / د.كيمائي أحمد الجندي 

كاتب و باحث علمي

 

كان المسلمون يومًا من الأيام في مقدمة الأمم التي تبحث وتجرب وتلاحظ وتدوّن.

 

وفي قلب تلك الرحلة العلمية ظهر اسم ارتبط بتاريخ الكيمياء لقرون طويلة: جابر بن حيان، أو الاسم الذي عُرف في التراث اللاتيني باسم «Geber».

 

لكن قصة جابر ليست بالبساطة التي اعتدنا سماعها.

 

فالرواية الشائعة تقدمه باعتباره «أبو الكيمياء» الذي وضع علمًا حديثًا متكاملًا، ثم تعرض لاحقًا للاضطهاد، قبل أن ينتقل علمه إلى أوروبا.

 

أما التاريخ الفعلي فهو أكثر تعقيدًا بكثير.

 

جابر بن حيان.. العالم أم الاسم الذي حملته مدرسة علمية؟

 

تُنسب إلى جابر بن حيان مجموعة ضخمة من المؤلفات في الكيمياء والفلسفة والطب وغيرها، وقد أصبح اسمه واحدًا من أشهر الأسماء المرتبطة بتاريخ الكيمياء في الحضارة الإسلامية.

 

لكن الباحثين اختلفوا بشدة حول حجم ما يمكن نسبته بالفعل إلى شخص واحد يحمل هذا الاسم.

 

فالمكتبة الوطنية للطب في الولايات المتحدة تشير إلى وجود نقاش علمي طويل حول نسبة المؤلفات الجابرية إلى شخص واحد،

حتى إن بعض الباحثين رأوا أن جانبًا كبيرًا من هذا التراث ربما كان نتاج مدرسة أو مجموعة من المؤلفين،

بينما دافع باحثون آخرون عن وجود جابر تاريخي ونسبة عدد مهم من الأعمال إليه.

وهذا يعني أن الحديث عن جابر يحتاج إلى قدر من الحذر؛ فلا يصح أن ننسب إليه كل كتاب حمل اسمه،

كما لا يصح في المقابل محو شخصيته التاريخية لمجرد وجود خلاف حول مؤلفاته.

 

والأقرب إلى المنهج العلمي أن نقول: هناك شخصية تاريخية ارتبط بها تراث كيميائي واسع، لكن حجم هذا التراث ونسبة مؤلفاته إلى جابر نفسه ما زالا موضع نقاش بين الباحثين.

 

 

لكن ماذا كانت تعني «الكيمياء» في ذلك الزمن؟

وهنا تقع واحدة من أكبر مشكلات قراءة التاريخ بعين الحاضر.

فكلمة «الكيمياء» في العصور الوسطى لم تكن تعني علم الكيمياء الحديث بمناهجه ومفاهيمه وأدواته التي نعرفها اليوم.

كان جزء أساسي من «الكيمياء» القديمة مرتبطًا بما يعرف بالخيمياء، ومن بين أهدافها محاولات تحويل المعادن الرخيصة إلى ذهب أو فضة،

إلى جانب البحث عن الإكسير وعمليات أخرى امتزج فيها الجانب التجريبي بالفلسفة والتصورات التي كانت سائدة في ذلك العصر.

ولهذا لا يجوز ببساطة أن نأخذ كلمة «الكيمياء» الواردة في نص من القرن الثامن أو الثالث عشر، ثم نضع مكانها مباشرة علم الكيمياء الحديث.

فهذا أشبه بأن نقرأ كلمة قديمة بمعناها المعاصر، ثم نبني عليها حكمًا لم يكن المقصود منه أصلًا.

 

ابن تيمية والكيمياء.. ماذا قال فعلًا؟

هنا تصبح الدقة أكثر أهمية.

نعم، ابن تيمية تحدث عن الكيمياء وحكم عليها بالتحريم، وورد في «مجموع الفتاوى» قوله:

«والكيمياء أشد تحريمًا من الربا».

كما تحدث عن ممارسات أهل الكيمياء باعتبارها مرتبطة بالغش وأكل أموال الناس بالباطل،

وناقش مسألة تحويل المواد والمعادن بصورة ترتبط بما كان يُعرف بالكيمياء في عصره.

لكن المشكلة تبدأ عندما نأخذ هذا الكلام ونقدمه وكأنه حكم على علم الكيمياء الحديث.

 

هذا إسقاط تاريخي غير دقيق.

فالكيمياء التي كان يناقشها ابن تيمية في هذا السياق كانت جزءًا من تصور معرفي مختلف تمامًا عن العلم التجريبي الحديث،

وكان اعتراضه مرتبطًا بما اعتبره غشًا وخداعًا ومحاولات غير مشروعة للحصول على المال، فضلًا عن اعتراضات فلسفية وشرعية على بعض ممارساتها.

لذلك، فإن تحويل فتواه إلى عبارة من نوع «ابن تيمية حارب علم الكيمياء الحديث» سيكون تبسيطًا تاريخيًا شديدًا.

 

وماذا قال عن جابر بن حيان؟

هذه النقطة تحديدًا تحتاج إلى تصحيح مهم.

ورد عن ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» قوله عن جابر بن حيان:

«وأما جابر بن حيان صاحب المصنفات المشهورة عند الكيماوية، فمجهول لا يعرف، وليس له ذكر بين أهل العلم ولا بين أهل الدين».

 

وهذا نقد واضح لجابر ونسبة مؤلفاته إليه، لكنه ليس نصًا يثبت أنه كفّره.

ومن هنا يجب التفريق بين ثلاثة أشياء:

  • أن ينتقد العالم شخصًا.
  • وأن يشكك في وجوده أو في نسبة مؤلفاته إليه.
  • وأن يحكم عليه بالكفر.

هذه أمور مختلفة، ولا يجوز وضعها في خانة واحدة لمجرد الرغبة في صناعة قصة أكثر إثارة.

 

هل مات جابر في السجن بسبب التعذيب؟

هذه واحدة من الروايات التي تحتاج إلى الحذر أيضًا.

فالسيرة التقليدية لجابر بن حيان نفسها ليست مستقرة تمامًا، وهناك اختلافات في تفاصيل حياته ومكان مولده ووفاته وعلاقاته السياسية والعلمية.

وتشير مصادر مرجعية إلى أن الرواية الشائعة تضع وفاته في حدود عام 815م، مع اختلاف الروايات حول تفاصيل حياته،

كما أن نسبة عدد كبير من الأعمال المنسوبة إليه ظلت موضع جدل علمي.

 

لذلك لا يصح تقديم قصة مقتله أو تعذيبه أو حبسه الانفرادي بسبب موقف سياسي باعتبارها حقيقة تاريخية محسومة،

ما لم يقدم الباحث مصدرًا أوليًا أو دليلًا تاريخيًا قويًا يثبتها.

 

إذن.. هل حاربنا الكيمياء فأخذها الغرب؟

ربما يكون هذا هو السؤال الخطأ أصلًا.

فالقول إن الغرب «سرق الكيمياء» من المسلمين يختزل تاريخًا طويلًا ومعقدًا من انتقال المعرفة وتطورها.

لقد استفادت أوروبا بالفعل من التراث العلمي العربي والإسلامي،

وانتقلت إليها أعمال عربية وترجمات لعلوم وفلسفات وكتب في الطب والفلك والرياضيات والكيمياء والخيمياء.

لكن انتقال المعرفة لم يكن عملية سرقة بسيطة من طرف إلى طرف.

كان هناك تراكم معرفي طويل، وترجمة، وإعادة قراءة، وتجارب جديدة، وتطور في الأدوات والمناهج،

ثم ظهور مؤسسات علمية وتعليمية ساعدت على استمرار البحث العلمي وتراكم نتائجه.

وهنا تكمن نقطة أكثر أهمية من سؤال «من سرق من؟».

 

المشكلة ليست في الدين.. ولا في العلم

المشكلة تبدأ عندما نخلط بين المصطلحات القديمة والعلوم الحديثة.

وتبدأ أيضًا عندما تتحول سلطة أي مؤسسة أو جماعة إلى حاجز يمنع السؤال والتجربة والنقد.

 

فالعلم لا يتقدم لأنه محصّن من الخطأ.

العلم يتقدم لأنه يسمح بالسؤال، ويقبل التجربة، ويعترف بإمكانية الخطأ، ثم يعيد بناء المعرفة على ما تثبته الأدلة.

وفي المقابل، لا يمكن اختزال علاقة الحضارة الإسلامية بالعلم في صورة صراع دائم بين الدين والعلم.

فالتاريخ الإسلامي نفسه شهد فترات ازدهار علمي واسعة، وظهر فيها علماء وباحثون في الطب والرياضيات والفلك والبصريات والكيمياء وغيرها.

 

لكن الحضارات لا تستمر في الصعود بالاعتماد على أمجادها القديمة.

فالعلم يحتاج إلى بيئة تحمي البحث، ومؤسسات تموله، وتعليم جيد، وحرية في السؤال، وتراكم معرفي لا ينقطع.

 

الدرس الحقيقي من جابر بن حيان

ربما لا يكون الدرس الحقيقي من قصة جابر هو أن «الغرب أخذ علمنا».

وربما لا يكون أيضًا أن «فتوى واحدة قتلت الكيمياء».

 

التاريخ أكثر تعقيدًا من ذلك.

الدرس الأهم هو أن الحضارة التي تفتح الباب أمام السؤال والتجربة قادرة على إنتاج المعرفة،

بينما الحضارة التي تخاف من السؤال قد تتحول مع الوقت من منتجة للعلم إلى مستهلك له.

 

ولذلك فإن السؤال الذي يجب أن يشغلنا اليوم ليس:

«لماذا أخذ الغرب علمنا؟»

بل:

«لماذا لا نصنع نحن بيئة علمية تجعل العالم كله يأخذ علمنا مرة أخرى؟»

 

فالعلم لا يعيش في الكتب وحدها.

  • يعيش في المعمل.
  • وفي الجامعة.
  • وفي عقل الباحث.
  • وفي المجتمع الذي يحترم السؤال ولا يخاف منه.

والعالم الحقيقي لا يحتاج إلى أسطورة كي يصبح عظيمًا.

يكفي أن يكون وراءه دليل.

 

أما الحضارة، فلا تُقاس بعدد العلماء الذين أنجبتهم فقط، وإنما بقدرتها على حماية العلم، وتوريثه، وتطويره، وفتح الطريق أمام من يأتي بعدها.

 

لأن العالم الذي يقتل السؤال…

 

قد يقتل العلم قبل أن يقتل العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *