هُدم القصر… فارتفع الموقف
✍️ بقلم الإعلامية: جمانة كرم عياد
ثلاثة وثلاثون عامًا في الغربة لم تمنع محمود حيدر من أن يرى في حطام بيته شيئًا أصغر بكثير من كرامة الإنسان وثباته.
قصرٌ بُني بسنوات من التعب والاغتراب، سقط في لحظة، لكن صاحبه اختار أن يواجه الركام بكلمةٍ بدت أقوى من الخراب.
في عربصاليم الجنوبية، لم يكن استهداف منزل محمود حيدر، وفق المعلومات المتداولة، مجرد سقوط جدران وأسقف، بل كان انهيار حصيلة عمر طويل من العمل والاغتراب.
فالرجل، الذي أمضى نحو ثلاثة وثلاثين عامًا في بلاد الاغتراب، عاد ليبني في بلدته منزلًا كبيرًا، جمع فيه ما استطاع من ثمرة سنوات طويلة من التعب والعمل، وكأنه يعيد بناء صلته بالمكان بعد سنوات بعيدة عن الوطن.
وعند وقوع الغارة، كان المنزل خاليًا، وفق المعلومات المتداولة، بعدما غادرت العائلة المكان في ظل الظروف الأمنية والتحذيرات السابقة، فلم تتحول الخسارة المادية إلى مأساة بشرية داخل الأسرة.
لكن القصر الذي احتاج سنوات من الجهد والإنفاق لم يبقَ منه سوى الركام.
ثلاثة وثلاثون عامًا من الغربة… وحلم اختصرته الجدران
الغربة الطويلة ليست مجرد مسافة تفصل الإنسان عن وطنه.
إنها سنوات من العمل والانتظار، وحرمان من تفاصيل صغيرة قد تبدو عادية لمن يعيش بين أهله وبلده.
ولهذا، فإن بناء البيت بعد سنوات طويلة من الاغتراب لا يكون مجرد مشروع عقاري أو استثمار مالي، بل يحمل في داخله معنى العودة والانتماء والذاكرة.
كان البيت بالنسبة إلى محمود حيدر حصيلة سنوات، وربما اختصارًا لحلم ظل يكبر معه طوال سنوات الغربة.
وحين سقطت الجدران، لم يسقط معها كل ما يحمله البيت من معنى.
«حطام الدنيا» أمام تضحيات الناس
المفارقة الأكثر لفتًا في الحكاية لم تكن في حجم الدمار، وإنما في الطريقة التي اختار بها محمود حيدر النظر إلى خسارته.
وفي موقف عبّر فيه عن رؤيته الشخصية لما جرى، قال:
««نقول لقتلة الأنبياء: إن الله أكرمنا وشرّفنا أن نكون أتباع سيد البلغاء، حيدر الكرار، مذلّ أجدادكم، الذي قال: “دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز”.
وإني لأتشرف بأن أقول لأولادي وأحفادي إن الله أكرمني وأعزّني بأن عشت في زمن الرجال، رجال الله وسيدهم.
وأستحي أن أقول إني ضحّيت بحطام الدنيا أمام فلذات قلوبهم.
إن الله هو القوي القهار».»
وبعيدًا عن الاختلاف في قراءة الموقف أو تفسير عباراته، فإن الرسالة الإنسانية التي أراد الرجل التعبير عنها تبدو واضحة:
قيمة الإنسان وتضحياته عنده أكبر من قيمة الحجر والمال والممتلكات.
محمود حيدر… حين يمنح الموقف الاسم معناه
قد تحمل الأسماء دلالات ورموزًا، لكن المواقف وحدها هي التي تمنح الإنسان معناه الحقيقي.
فليس القصر هو الذي يحدد قيمة صاحبه، ولا حجم الخسارة هو الذي يحدد قوة الإنسان.
وحين يقف رجل أمضى عقودًا في الغربة أمام حصيلة عمره المهدمة، ثم يختار أن يتحدث عن الصمود والإيمان بدلًا من الانكسار، فإن المشهد يتحول من قصة منزل تهدم إلى قصة إنسان يحاول أن يمنح للخسارة معنى آخر.
القصر سقط.
لكن صاحبه أراد أن يقول إن الحجر يمكن أن ينهار، بينما الإرادة لا تنهار بالضرورة معه.
عربصاليم… حين لا يكون الركام نهاية الحكاية
يمكن إعادة بناء البيت.
يمكن أن ترتفع الجدران من جديد، وتعود النوافذ والأبواب، ويستعيد المكان شيئًا من صورته القديمة.
لكن بعض المواقف لا يمكن إعادة بنائها بعد سقوطها، لأنها تُصنع مرة واحدة في لحظة الاختبار.
وفي عربصاليم، أمام ركام قصره، اختار محمود حيدر أن يرى في الخسارة المادية شيئًا عابرًا أمام ما يؤمن به من قيم ومعانٍ.
ثلاثة وثلاثون عامًا من الغربة والعمل قد تختفي ثمرتها المادية في لحظة، لكن الذاكرة لا تُهدم بالجرافات، والإرادة لا تُقاس بعدد الجدران.
هُدم القصر… فارتفع الموقف.
وبقي الرجل أمام الركام يقول:
«إن الله هو القوي القهار».

