الشيخ شفيق الحق الفاروقي: سيرة علم وعطاء - النايل نيوز
الخميس, سبتمبر 3, 2026
الرئيسيةمقالاتالشيخ شفيق الحق الفاروقي: سيرة علم وعطاء
مقالات

الشيخ شفيق الحق الفاروقي: سيرة علم وعطاء

الشيخ شفيق الحق الفاروقي: سيرة علم وعطاء
بقلم: أحمد شوقي عفيفي

كان الشيخ شفيق الحق الفاروقي واحدا من أولئك العلماء البارزين الذين جمعوا بين العلم والعمل، والدعوة والإصلاح، والتربية والجهاد في سبيل التحرر من الاستعمار. فقد كان حضوره فاعلا في المجتمع الإسلامي إبان عهد الهند البريطانية، وأسهم في ميادين التعليم الديني، والإصلاح الاجتماعي، والتربية الروحية، ومقاومة الاستعمار البريطاني.
وقد تعددت جوانب شخصيته العلمية والدعوية، فكان حافظا لكتاب الله، قارئا، ومحدثا، ومفسرا، ومنظما، ومصلحا، وباحثا في العلوم الإسلامية، ومرشدا روحيا، وداعيا إلى الله. ولم تكن حياته حبيسة مجالس العلم وحلقات الدرس، بل امتدت رسالته إلى ساحات المجتمع وقضايا المسلمين، فشارك في الحركة المناهضة للاستعمار، وبذل جهدا بارزا في نشر التعليم الإسلامي، وإحياء الوعي الديني، والعمل على تنظيم التعليم الشرعي، ولا سيما في إقليم آسام بالهند.

المولد والنسب:
ولد الشيخ شفيق الحق سنة 1898م في منطقة كانايغات في إقليم سيلهت. وكان الابن الأكبر للشيخ إسماعيل عالم الفاروقي، الشاعر المعروف باللغة الأردية. وينتمي الشيخ شفيق الحق إلى أسرة ضاربة الجذور في التاريخ الإسلامي لسيلهت، فقد كان من أسلافه شاه تقي الدين الفاروقي، أحد رفاق الشيخ شاه جلال اليمني. وقد توجه شاه تقي الدين بإرشاد من شاه جلال إلى منطقة جنوب سورما في سيلهت، حيث اضطلع بمهمة نشر الإسلام، فظل تاريخ هذه الأسرة موصولا بالتراث الإسلامي العريق في المنطقة.
أما والده الشيخ إسماعيل عالم الفاروقي، فقد جمع بين الأدب والعلم والعمل العام، فكان شاعرا وخطيبا ومناضلا في سبيل الاستقلال ولغويا بارزا، كما كان من خلفاء الشيخ فضل الرحمن كنجه مراد آبادي. وترك من آثاره ديوانا شعريا عرف باسم ديوان عالم. وكان عمه الشيخ إبراهيم تشنا من الشخصيات الفاعلة في الحركة المناهضة للاستعمار البريطاني، ومن قادة الحركة في كانايغات إلى جانب اشتغاله بالعلم والكتابة والبحث والتنظيم. وفي أحضان هذه الأسرة التي التقى فيها الدين بالأدب، والعلم بروح المقاومة، نشأ الشيخ شفيق الحق، فتشكل وعيه في بيئة ذات جذور علمية ودينية، وبدأت منذ وقت مبكر تتكون ملامح شخصيته التي ستجمع فيما بعد بين العلم والدعوة والإصلاح والعمل العام.

حياته العلمية:
استهل الشيخ شفيق الحق رحلته في طلب العلم في مدرسة إمداد العلوم عمر غنج بكانايغات، وهي من المؤسسات التي أسسها أسلاف أسرته. ومنها انتقل إلى المدرسة العالية الحكومية في سيلهت ليواصل فيها دراسته الإسلامية.
وفي سنة 1927م اجتاز امتحان الكامل في المدرسة العالية الحكومية بسيلهت، فكانت تلك محطة مهمة في مسيرته العلمية، أتم بها مرحلة متقدمة من تعليمه الإسلامي النظامي.
وكانت نفسه تتطلع إلى مواصلة الدراسة والتوسع في التحصيل العلمي غير أن المرحلة التي عاش فيها لم تكن بعيدة عن عواصف السياسة وتقلباتها، فقد كانت الحركة المناهضة للاستعمار البريطاني تتصاعد، وكانت البلاد تموج بأحداث التحرر والمقاومة. وكان لذلك أثره في مسار حياته، إذ خرج من دائرة الانشغال بالتعليم النظامي وحده إلى رحاب العمل العام، وانخرط بصورة فعلية في حركة التحرر الوطني.

دوره في حركة الاستقلال:
لم يكن الشيخ شفيق الحق بمعزل عن هموم وطنه وقضايا مجتمعه، بل وجد نفسه في قلب الحركة المناهضة للحكم البريطاني. فشارك إلى جانب عمه الشيخ إبراهيم تشنا في الاجتماعات والتجمعات التي كانت تعقد في مناطق مختلفة من سيلهت لمقاومة الاستعمار. وكان للكلمة نصيب بارز من جهاده، إذ كان يلقي الخطب المناهضة للحكم البريطاني، ويحث عامة الناس على المشاركة في حركة عدم التعاون مستثمرا ما وهبه الله من قوة البيان وعذوبة الصوت في مخاطبة القلوب واستنهاض الهمم. وقد عرف بصوته العذب المؤثر، فكان ينشد في بعض تلك التجمعات الأناشيد والأشعار التي تحرك مشاعر الجماهير، وتبعث في نفوسهم روح المقاومة والتطلع إلى الاستقلال.

الانتقال إلى آسام وبداية النشاط الدعوي:
لما اشتد أثر مشاركته في حركة الاستقلال، وأصبحت الظروف في موطنه أقل مواءمة لاستمرار نشاطه غادر الشيخ شفيق الحق سيلهت متوجها إلى مدينة ديبروغار في إقليم آسام لتبدأ هناك مرحلة جديدة من حياته، اتسع فيها مجال عمله الدعوي والتعليمي والاجتماعي. وكان الشيخ شفيق الحق حسن الصوت، متقنا لأحكام التجويد، عذب التلاوة، فسرعان ما لفت أنظار أهل المنطقة بما وهبه الله من جمال الأداء وحسن القراءة. وقد تركت تلاوته للقرآن أثرا في نفوس الناس، فاختير بعد ذلك إماما وخطيبا في مسجد تينكونا بمدينة ديبروغار. ولم يكن انتقاله من سيلهت إلى ديبروغار تحولا عن رسالته، بل كان امتدادا لها في أرض جديدة، إذ مضى يواصل عمله في ميادين التعليم الإسلامي والدعوة والإصلاح الاجتماعي، وجعل من مقامه في آسام منطلقا رحبا لخدمة الدين والمجتمع.

نشر التعليم الإسلامي والدعوة في آسام:
مثلت مرحلة آسام واحدا من أهم فصول حياة الشيخ شفيق الحق وأكثرها أثرا. فقد انصرف فيها إلى نشر المعرفة الدينية، وإحياء الوعي الإسلامي، وتعزيز القيم والثقافة الإسلامية، والعناية بتربية الشباب تربية تقوم على الأخلاق والدين. وكان للشباب في مشروعه الدعوي نصيب وافر من الاهتمام، إذ سعى إلى إعدادهم ليكونوا مؤهلين أكفاء، نشيطين، أصحاب همم عالية وأخلاق راسخة، قادرين على القيام بواجبهم تجاه دينهم ومجتمعهم. ولم يحصر نشاطه في مدينة ديبروغار، بل امتدت رحلاته الدعوية إلى مناطق مختلفة من آسام، يشارك في اللقاءات والتجمعات الدينية، ويخاطب الناس بما يناسب أحوالهم. وكان غالبا ما يفتتح مجالسه بتلاوة آيات من القرآن الكريم بصوته العذب، ثم ينتقل إلى تناول الموضوع المحدد بالشرح والبيان. وكانت خطاباته تجمع بين معالجة القضايا الدينية واستحضار الوقائع التاريخية وسير العلماء والأولياء وأهل الفضل والمعرفة، الأمر الذي أكسب حديثه قربا من النفوس وتأثيرا في المستمعين. وقد أثمرت تلك الجهود ازديادا ملحوظا في اهتمام المسلمين بالتعليم الديني، كما دفعت كثيرا من الآباء إلى العناية بتعليم أبنائهم العلوم الإسلامية. وفي ظل هذا الوعي المتنامي، اتسعت المبادرات الرامية إلى إنشاء الكتاتيب والمدارس الدينية الابتدائية في مناطق متعددة من ديبروغار. وهكذا كان للشيخ شفيق الحق إسهام واضح في نشر التعليم الديني، وتنمية الوعي الإسلامي، وترسيخ الاهتمام بالتربية الدينية في أوساط المسلمين في آسام.

حياته الروحية: البيعة والخلافة
إلى جانب نشاطه العلمي والدعوي والاجتماعي ظل للجانب الروحي مكانه البارز في حياة الشيخ شفيق الحق، إذ جمع بين خدمة الناس والعناية بتزكية النفس والارتباط بأهل السلوك والتربية. وخلال إقامته في ديبروغار التقى بالشيخ شاه أبي الخير محمد حكيم البنارسي. وتذكر الرواية أن الشيخ البنارسي قدم إلى المدينة وهو يسأل عن رجل يدعى شفيق الحق، حتى دل على إمام مسجد تينكونا وخطيبه، فقصد إليه والتقى به. ثم بايع الشيخ شفيق الحق على يده، ونال منه الخلافة والإجازة، فكانت هذه الصلة الروحية إضافة مهمة إلى شخصيته الدينية والدعوية، وأكملت جانبا من مسيرته العلمية والتربوية.

تأسيس تنظيم المدارس القومية:
كان تنظيم التعليم الإسلامي في آسام من أبرز الأعمال التي ارتبط بها اسم الشيخ شفيق الحق. فبعد سنوات من الاشتغال بالتعليم والدعوة، وتشجيع المسلمين على إنشاء الكتاتيب والمدارس، برزت أمامه الحاجة إلى جمع تلك الجهود المتفرقة في إطار أكثر تنظيما وتنسيقا. ومن هنا جاءت مبادرته إلى تأسيس مجلس تعليمي في آسام سنة 1955م باسم تنظيم المدارس القومية. وقد مثل إنشاء هذا المجلس خطوة مؤسسية مهمة في تاريخ التعليم الإسلامي في آسام، إذ أتاح للمدارس الدينية أن تنتظم ضمن إطار أكثر تماسكا وترابطا، وانتقلت الجهود التعليمية بذلك من المبادرات الفردية المتفرقة إلى مستوى من التنظيم المؤسسي. ولم تتوقف مسيرة هذا المجلس برحيل مؤسسه، بل واصل طريقه من بعده، حتى حمل سنة 1982م اسم تنظيم المدارس القومية بعموم آسام. وبذلك ظل اسم الشيخ شفيق الحق وثيق الصلة بتاريخ التعليم الإسلامي والمدارس الدينية في آسام، لا بوصفه داعية إلى العلم فحسب، بل باعتباره أحد الذين سعوا إلى منحه إطارا مؤسسيا منظما.

شخصيته وخصاله:
تميز الشيخ شفيق الحق بذكاء حاضر، وقوة إدراك، ونشاط في العمل، وبساطة في العيش. وقد وهب حياته للتعليم والعبادة وخدمة الناس ونشر الإسلام، فكان العلم عنده مقرونا بالعمل، والدعوة مرتبطة بالمسؤولية الاجتماعية. وكانت شخصيته غنية الجوانب، فقد شارك في مقاومة الاستعمار البريطاني، وتولى الإمامة والخطابة، وعرف بتلاوة القرآن ونشر العلوم الدينية، كما شجع المسلمين في المناطق المختلفة على إنشاء الكتاتيب والمدارس. واجتمعت فيه صفات العالم والداعية والمنظم والمصلح والمرشد الروحي والمناضل من أجل الحرية، فغدت سيرته مثالا على الجمع بين عبادة الفرد ومسؤولية العالم تجاه مجتمعه، وبين البناء الروحي والعمل العام.

توفي الشيخ شفيق الحق في 13 يوليو 1958م بعد حياة حافلة بالتعليم والدعوة والإصلاح والعمل العام. كانت حياة الشيخ شفيق الحق الفاروقي حياة متعددة العطاء، امتزج فيها العلم بالدعوة، والإصلاح بالتربية، والروحانية بالنضال من أجل الاستقلال.

المراجع:
1. عبد الجليل الراغبي، مشاهير علماء ومشايخ آسام.
2. نور الأنوار حسين شودري، حديث جلال آباد.
3. عبد الجليل بسمل، الأردية في سيلهت.
4.صحيفة الإنقلاب اليومية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *